فَطرَ اللهُ المرأةَ على الانقيادِ للرّجل والاستماعِ إليه والانصياع لقراره في المعروفِ، وكلما كَمُلَت صفاتُ الرّجولةِ في الرّجل من القوةِ والشجاعةِ وتحمّل المسؤوليةِ والقيامِ على شؤون المرأة والبيت والأولاد، كلما كان أحبَ إلى قلبِ المرأةِ، وكلما ضَعُفت هذه الخصال، كلما قلّت مكانته عندها وكَثُرت المشاكلُ بينهما.
فجعلَ اللهُ الرجل قوّاماً على المرأة، قال تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. (النساء).
قال ابن كثير -رحمه الله-: “أي: هو رئيسها، وكبيرها، والحاكم عليها، ومؤدبها إذا اعوجّت”.
“وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: أمراء، عليها أن تطيعه فيما أمرها به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله، وكذا قال مقاتل والسدي والضحاك”.
وجاء في تفسير الطبري: “قوَّامون عليهنَّ بإلزامهنَّ بحقوق الله تعالى من المحافظة على فرائضه وكفِّهِنَّ عن المفاسد، والرجال عليهم أن يُلْزِموهنَّ بذلك، وقوَّامون عليهنَّ أيضاً بالإنفاق عليهنَّ والكسوة والمسكن.
ثم ذكر السبب الموجب لقيام الرجال على النساء، فقال: ﴿بما فضَّل الله بعضَهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾؛ أي: بسبب فضل الرجال على النساء وإفضالهم عليهنَّ؛ فتفضيل الرجال على النساء من وجوهٍ متعدِّدة:
من كون الولايات مختصَّة بالرجال، والنبوَّة، والرسالة، واختصاصهم بكثيرٍ من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع، وبما خصَّهم الله به من العقل والرَّزانة والصَّبر والجَلَد الذي ليس للنساء مثله، وكذلك خصَّهم بالنفقات على الزوجات، بل وكثير من النفقات يختصُّ بها الرجال ويتميَّزون عن النساء”.
وقد جعل الله القوامة للرجل على المرأة لتتفرغ المرأة لوظيفتها الكبرى وهي: القيام برعاية ومصالح البيت والأولاد، فإنه من الظلم أن يُطلَبَ من المرأة أن تحملَ وترضعَ وتربي، ثم يُطلَب منها العمل والكد من أجل حماية نفسها وأسرتها والسعي عليهم في آن واحد،
فكان العدلُ أن يعطى الرجلُ القوامةَ لما فيه من خصائص تؤهله لذلك، كما أنّ المرأة عندها من الرقة والعاطفة وسرعة الانفعال والاستجابة لمطالب الطفولة ما أَهَلَهَا لتربيةِ الأطفال، والقيام على شؤونهم في البيت، وهو ما يَعجزُ الرجل عن القيام به.
وأما تفضيل الرجل على المرأة فهو تفضيلٌ لا يغض من كرامتها، ولا ينالُ من مكانتها، فهي لها مجالها ووظيفتها التي لا يستطيع الرجال القيام بها، فهي وإن كانت أضعف من الرجل في تحمل مسؤولية وأعباء القوامة إلا أنّها أكثر منه صبراً وجلداً وسهراً على تربية الأولاد، والعناية بمصالح البيت التي لو وكّلت إلى الرجل لضاق بها ذرعاً، ولعجز عنها،
كما أنّ القوامة ليست استعباداً للمرأة، ولا تسلطاً عليها من قبل الرجل، بل هي قوامة تُصان فيها كرامتها، وتنال بها حقوقها على أكمل وجه، فالله جل وعلا يقول:
(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [البقرة:228] .
فقوامة الرجل على المرأة في الإسلام قوامة رعاية وإدارة وحفظ لا قوامة تسلط وتجبر واستعباد.
قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله- في أحكام القرآن: قوله: {بما فضل الله بعضهم على بعض} [النساء: 34].
المعنى: إنّي جعلتُ القوامة على المرأة للرجل لأجل تفضيلي له عليها، وذلك لثلاثة أشياء:
- الأول: كمالُ العقلِ والتمييز.
- الثاني: كمالُ الدين ِوالطاعة في الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على العموم، وغير ذلك.
وهذا الذي بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحازم منكن. قلن: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: أليس إحداكن تمكث الليالي لا تصلي ولا تصوم؛ فذلك من نقصان دينها. وشهادة إحداكن على النصف من شهادة الرجل، فذلك من نقصان عقلها).
وقد نص الله -سبحانه- على ذلك بالنقص، فقال:
{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282].
- الثالث: بذله المال من الصداق والنفقة، وقد نص الله عليها هاهنا. انتهى.
ويستغلُ دعاةُ الفسوقِ والانحلالِ والإلحادِ موضوعُ القوامةِ -هذا الحقُ الشرعيُ الفطري الثابت- في تاليبِ النّساءِ وحثّهن على التمردِ.
فيقيسون على حالاتٍ خاصة مثل: زوجٌ يسيءُ قوامته، زوجٌ فاسد، زوجٌ ظالم، أبٌ يسيءُ في ولايتِه على أبنائه، أخٌ يأكلُ حقَ أخواتِه، ويضخمون هذه الحالاتِ ويعممونها ويربطون بينها وبين حقِ القوامةِ الذي شرعه اللهُ عزَ وجل.
فتنظرُ التيّاراتُ النسوية لمسألةِ القِوامة على أنّها بِناءٌ اجتماعيٌ ديني تاريخي منحَ الرجل سٌلطةً قانونيةً وأخلاقية على المرأة، وترى أنّ هذا البناءَ يحتاجُ إلى مراجعةٍ أو إعادةِ تفسيرٍ.
وتعتبر القِوامة تمييزًا قانونيًا يعطي الرجلَ سلطةً غير مبررةٍ لمجرد كونه رجلًا فقط وليسَ بناءً على الكفاءة أو الشخصيّة، فهو تمييزٌ غير مبررٍ في نظرِهنّ.
وتُربط القِوامة بالملكيّة وبنية الاقتصاد؛ فالرجل غالبًا كان مصدر الدّخل، مما أعطاه موقعًا سلطويًا. وترى أنّ تمكينَ المرأةِ اقتصاديًا وتغييرَ البُنية الإنتاجية يؤدي تلقائيًا إلى إنهاء القِوامة.
وتدعو إلى المساواةِ في الحقوق والواجبات داخلَ الأسرةِ، واعتبارُ القيادة مرتبطةٌ بالكفاءة والمسؤولية لا بالجنس.
وتطالب بتعديل القوانين التي تمنحُ الزوجَ “سلطة” على الزوجة، وتضعُ المرأةَ في موقعِ التبعية الاقتصادية والاجتماعية.
فالنسويّة ترفضُ القِوامة من أصلها لأنّها تُعارضُ فلسفتَها العامّة حولَ المساواةِ المطلقةِ.
والعقلُ والفطرةُ يجزمان بأن لكلٍ من المرأة والرجل خصائصه المبنيّة على تكوينه العقليّ والنفسيّ والجسمانيّ الذي يختلفُ اختلافاً واضحاً عن الطرفِ الآخر، فهل يعقلُ أن تتساوى وظيفتُهما معَ هذا الاختلاف!؟
أم أنّ العقلَ والفطرة والعدل والقسط كلُها تجزم بأن يُكَلّف كل منهما من الواجبات ما يَقدر عليه، ويُعطى من الحقوق ما يستحقه، ويُسند إليه من الوظائف ما يُلائمه ويُناسبه، وهذا هو الذي جاء به الشرع وقرره قِسطاً وعدلاً (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) .
فدعوى مساواة المرأة بالرجل في كل شيء وبلا استثناء دعوى مُنكرة، ومُصادِمة للفطرة، ومُناقِضة للشرع.
ولو تخيّلنا أن نُطبق ما تُطالب به النسويات على أرض الواقع فإنّنا أمامَ أمرين،
-إما: أن تكون القوامة للرجل والمرأة معاً -حسب مبدأ الشراكة والمساواة الذي تنادي به النسوية- وهذا عينُ الفساد، لأنَ كيان يحتاج إلى إدارة، لا ينبغي أن تتوزع الكلمة الأخيرة فيه على أكثر من واحد. ومن هنا فلا سبيل إلى الشراكة في القوامة.
-أو: أن تكون القوامة بيد الزوجة، ومن هنا تتعثر مصالح الأسرة ولابد، وذلك بحكم طبيعة المرأة، تِلْكُم الطبيعة التي تَطلب منها الاستقرار في البيت للقيام بوظيفة الإنجاب والتربية ومصالح البيت والأولاد أحسنَ قيام،
مما يفوت عليها الاطلاع الشموليّ على مجريات الأحداث خارج البيت، وهو ما يجعلها غير قادرةٍ على القيام بمهمةٍ كهذه، فإن فَعلت فهو تَقمّصٌ لشخصية غير مناسبة، وإسنادٌ للأمر إلى غير أهله، فتضيع قوامة الأسرة، بالإضافة إلى مصالح البيت والطفل، كما هو شأن البيوت التي جرفتها موجة التغريب.
والنسويّة بنظرتها القاصرة تنطلق من أنّ اختلاف الأدوار يعني تمييز. لكنّ الشريعة تنطلق من أنّ اختلاف الأدوار يعني تكامل.
والقوامة في الإسلام مسؤولية ورعاية شرعها الله عز وجل بحكمتهِ وعلمهِ ورحمته لأنّه يعلمُ حالَ الرجل وحال المرأة ويعلم طبيعة الرجل وطبيعة المرأة وبعلمِ ما يُصلحُ أحوال الناس، فجعلَ قوامة الرجل عليها لمصلحتها،
فالرجلُ له نفقاتٌ واجبة، وهو مسؤول عن حمايتها ورعايتها والدفاع عنها، والرجل في الإسلام يقاتلُ ويُقتَلُ حِفاظا على المرأة ومن قُتلَ دونَ أهلِه فهو شهيد.
ومن تعسّف في استعمال حقّ شرعي يُنزَع منه هذا الحق ويُعطى لمن دونه.
والنفقةُ صورة من صورِ القوامة والرجل مُلزَم بها ولو لم يستطع أن ينفقَ على المرأة فهي مخيّرة في الشرع بين أن تصبرَ عليه أو تفارقَه.
كما أنّ ليسَ في الإسلام وِلاية للرجل على مال المرأة لا زوج ولا أب ولا أخ. فالقِوامة لتحصيل الجوانب التي تَعجَزُ المرأةُ عن تحصيلِها بمفردها لضعفها.
وبهذا يضمنُ الشرعُ الحقوقَ والواجباتِ لكلا الطرفين.
وعلاقةُ الرجل بالمرأة في الإسلام علاقةٌ تكامليّة تراحميّة، أما الثقافة الغربيّة الممسوخة جعلت العلاقة بين الرجل والمرأة علاقةُ صراع وصدام وأوهمت النّساء أنّ أي نجاح للمرأة هو على حسابِ الرجل.
ومن الجديرِ بالذكر أن شَرط الإسلامُ القبول التّام والرّضى التّام والتّسليم التّام لجميعِ ما شَرَعه الله عزّ وجل، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ (النور ٥١)
ولو كرِهت المرأة شيئاً من ما أنزله الله وشرّعه يحبط عملها، فحذاري من هذا الضلال.
قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (محمد ٩).
وما شَرَعه الله سبحانه هو الأصلحُ لكِ ولقلبكِ ولمستقبلكِ الدنيويّ والآخرويّ.
وكَما أوجبَ اللهٌ على الرجلِ في حق المرأةِ واجباتٍ مثل: النفقةِ والحفظ وجلب الحقوقِ والرعاية أوجبَ أيضاً على المرأة في النّاحية الأخرى واجبات فعليها أن تطيعَ زوجَها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلّت المرأة خمسَها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت). ورواه ابن حبان في صحيحهِ عن أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في الجامع الصغير.
فإذا أدّى الرجلُ ما عليه وأدّت المرأةُ ما عليها امتثالاً لقول ِالرسول عليه الصلاة والسلام:
(ألا كُلكُم راعٍ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ، وهو مسئولٌ عن رعيتِه، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِه، وهو مسئولٌ عنهم، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلِها وولدِه، وهي مسئولةٌ عنهم، والعبدُ راعٍ على مالِ سيدِه وهو مسئولٌ عنه، ألا فكُلكم راعٍ، وكلُكم مسئولٌ عن رعيتِه) متفق عليه.
سيحصلُ الوئامُ والألفةُ والمودة ُوالرحمة، وينعمون بأمانٍ واستقرارٍ أسريّ، ولشَعرت المرأةُ بكمالِ أنوثتها بأدائها حقّ الرجلِ وقيامها بما عليها.
فلا حلّ إلا بتطبيقِ الشّريعةِ في نفوسِنا وحياتِنا، وعدمِ الالتفاتِ لدُعاةِ الفسادِ والرذيلةِ وانحطاط المجتمعاتِ، والعودة إلى نورِ الوحي والتّسليم له بنفوسٍ رضيةٍ مؤمنةٍ حقَ الإيمانِ بعدلِ وحكمةِ وقدرةِ خالقِها.










