إِن كانَ يُعجِبُكَ السُكوتُ فَإِنَّهُ
قَد كانَ يُعجِبُ قَبلَكَ الأَخيارا
وَلَئِن نَدِمتَ عَلى سُكوتِكَ مَرَّةً
فَلَقَد نَدِمتَ عَلى الكَلامِ مِرارا
إِنَّ السُكوتَ سَلامَةٌ وَلَرُبَّما
زَرَعَ الكَلامُ عَداوَةً وَضِرارا
وَإِذا تَقَرَّبَ خاسِرٌ مِن خاسِرٍ
زادا بِذاكَ خَسارَةً وَتَبارا"
قد بات في زماننا وسائل تُتيح لكلٍّ من صحيح العقل أو سقيم الفكر الخوض والحديث في ما يعلم قليله ويجهل كثيرة، فيما لا يفقه حِكمتُه بل ولا يدري حُكمه! صار البعض جلّ همه أن يدَّعي الدراية في غاية الأمور والقضايا.
وهذا من الجهل في مآلات الكلام، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ».
إنما هي “كلمة لا يلقي لها بالا” أي لا يظنها شيئًا ولا يفكر في عاقبتها، فهي كلمة لكنه يُهوى بها في جهنم -نسأل الله السلامة والعافية-
أمّا اليوم فأصحبت وسائل الإعلام تكتض بمقالات وليس فقط كلمات، يقولها البعض مُتبعًا هواه وشهوة الكلام، فتراه يتحدث في أحكام دين الله، التي قد أفنى العلماء أعمراهم لتحقيقها، استنباطها وتدوينها،
لكنه يشعر أنها لا تناسبه ولا تناسب زمانه، فيلقي على الناس أقولًا مستترًا بستار المعرفة والانفتاح -كما يدعون-، ثمّ تراه يتدرج في كلامه إلى أن يصل إلى مراده، ويكون قد هيَّأ الناس على تقبل شناعة ألفاظه، فيضل من يضل ويفتن من يفتن.
هذا وقد يشارك بعض العوام في التعليق والرد في وسائل التواصل بما لا يليق لصاحب الخُلق والدّين، فتجد البعض يجعل حسابه مجهول الهوية، حتى لا يُعرف ويتكلم بما يريد وكيفما يريد، وإن كان ذلك كلامًا فاحشًا لا يجرؤ على قوله أمام من يعرفه!
لكن، ألا يعلم هؤلاء بأن الخلاق العليم، الرقيب العتيد،
مُطلعٌ عليهم، أهان عليهم وجعلوه أهون الناظرين؟
فاعلمي يا أخيتي، أن هذه الوسائل قد تكون هالكة، مهلكة لصاحبها فـ “كلمة” قد تكون رافعة لك درجات أو قد تكون هاوية بك في جهنم.
اعلمي أن هذه الوسائل فيها الصحيح والسقيم، الكبير والصغير، القوي والضعيف، العالم والجاهل، فلا تدلي بشبهات وأقوال لإثارة جدل أو لإكتساب شهرة؛ فتخسرين دينك وتبيعين خُلقك وأمانتك.
فإنك لو عرفتِ ربّك حق المعرفة، لما سعيتِ لطلب الشهرة والمنفعة من الناس ولاكتفيتِ بخالقك ومولاك.
واذكرك بقول ابن القيم رحمه الله: “العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم، لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله”.
أعيذك أخيتي من اتباع “المؤثرات” لا سيّما من تكون قد تخلت عن خلقها وحجابها ودينها، فتجرك إلى مالا يحمد عقباه وتتركين معلقة القلب حائرة الفكر بعدما كنتِ حرّة أبية.
ولا تغترين ببني آدام وإن بدت سِمات الصلاح رجلٌ كان أم امراة، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبّها كيف يشاء؛ لذلك قد تتبدل وتتغير أخلاق الناس وأعرافهم على حسب إيمانهم، وإن ما منا أحد إلا وسيمحصّ، فإمّا يكون نتيجة هذا التمحيص علوٌ وارتقاء وإمّا دنو وسفور.
أجعلي قلبك يا أخيتي، راسخََا مستمسكًا بالإسلام وتعاليمه الواضحة البينة لا بالأشخاص، وكوني حذرة في معاملتك على هذه المنصات، فلا تختلي برجل للحديث معه فـ “الدردشات” لقوله ﷺ: «لا يخلون رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما».
إن الشيطان ليغوي بني آدم كما توعدهم، ومن إغوائه تزيين تبادل الرسائل بين الجنسين وإن كان تأويل ذلك أنها للنصيحة أو الهِداية وماشابه، فإنه ما أن يوقع العبد إلا وتتكدر عليه أيامه، فلا يهنأ له نوم ولا يصفو له عيش.
وقد حرم الله تعالى اتباع هذه الخطوات الشيطانية
قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ…﴾
ومن أخلاق ديننا الحنيف النهي عن التغنج والخضوع بالقول عند الرجال فقد قال الله عز وجل:
{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}
يقول السعدّي رحمه الله في تفسير هذه الآية: “{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} أي: في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فَتَلِنَّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع {الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي: مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه، لأن قلبه غير صحيح -فإن القلب الصحيح- ليس فيه شهوة لما حرم اللّه، فإن ذلك لا تكاد تُمِيلُه ولا تحركه الأسباب، لصحة قلبه، وسلامته من المرض.
بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد، يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، فهذا دليل على أن الوسائل، لها أحكام المقاصد.
فإن الخضوع بالقول، واللين فيه، في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم، منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال، أن لا تلِينَ لهم القول”. انتهى كلامه
ويا ليت شعري كم طمع رجل بامرأة! بسبب هذه المواقع وما تحتويه على تبادل الإعجابات والكلمات في زمن قل فيه الدِّين والأدب، وكم تساهلت النساء في الخضوع والكلام عن شؤونهن وأحوالهن في هذه المنصات، كيف ترضى المرأة أن تكون محرك شهوة لمن في قلبه مرض، أوترضى ذلك الحرة؟
وهذا المحرك قد ما يكون إلا ملصق قلب أو ورد أو كلمة ولكنّ هيهات فإن فتنتها عظيمة، فاتقي الله يا أخيتي، في مثل هذه المنصات وانتشلي نفسك من كل هاوية، خائفة على دينك من الفتن والضلال، واحرصي كل الحرص على صون كلماتك ومحارم الله في خلواتك، وتخلقي بأخلاق المسلمة العارفة بربّها، المنقادةِ له سبحانه وتعالى والحمد لله ربِّ العالمين.










