عاشوراء… فرصة لتربية الأبناء على اليقين والهوية والشكر

|

في زحمة الحياة، وبين انشغال الناس بالمظاهر والركض خلف التفاصيل اليومية، يحتاج الطفل المسلم إلى محطاتٍ إيمانيةٍ تعيد تشكيل قلبه، وتربط وجدانه بالله، وتغرس في داخله معاني الإيمان قبل أن تزدحم نفسه بضجيج الدنيا. ومن أعظم هذه المحطات يوم عاشوراء؛ فهو ليس مجرد يومٍ من أيام الصيام، ولا مناسبة عابرة تتكرر كل عام، بل هو موسم تربوي بالغ الثراء، يحمل في طياته من المعاني ما يصنع في قلب الطفل يقينًا، وفي وعيه هوية، وفي سلوكه عبوديةً وشكرًا.

إن الطفل لا تتكون شخصيته من الكلمات المجردة وحدها، بل من الأجواء التي يعيشها، والمشاهد التي تُغرس في ذاكرته، والمعاني التي تتكرر على قلبه في صورة قصةٍ أو عبادةٍ أو موقف. ولهذا كان عاشوراء من أجمل المواسم التي يمكن أن يحسن الوالدان استثمارها في التربية؛ لأنه يجمع بين القصة المؤثرة، والعبادة العملية، والمعنى الإيماني العميق. ففيه يسمع الطفل قصة موسى عليه السلام وهو يواجه فرعون بضعفه الظاهر، ويشهد بقلبه مشهد البحر حين انشقّ بأمر الله، ويرى كيف تكون النجاة لأهل الإيمان، وكيف تكون العاقبة للطغيان والجبروت. ثم لا يقف عند حدود السماع، بل ينتقل إلى عبادة يعيشها بنفسه: صيامًا، وشكرًا، وذكرًا، وارتباطًا بهذا اليوم العظيم.

وأول ما ينبغي أن يُغرس في قلب الطفل من خلال عاشوراء هو اليقين بالله. فنحن نعيش في زمن يربَّى فيه الإنسان منذ صغره على تقديس الأسباب المادية، وعلى النظر إلى القوة والعدد والوسائل الظاهرة وكأنها كل شيء. لكن قصة موسى عليه السلام في عاشوراء تأتي لتعيد ترتيب هذا الميزان في نفس الطفل؛ ليفهم أن الأسباب مهما عظمت ليست شيئًا أمام قدرة الله، وأن انسداد الطريق في أعين البشر لا يعني أبدًا انقطاع الفرج عند رب البشر.

حين يسمع الطفل قول موسى عليه السلام: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وهو في لحظةٍ أحاط فيها البحر من أمامه وفرعون من خلفه، يتسلل إلى قلبه معنى عجيب من الطمأنينة: أن المؤمن لا ينهار إذا ضاقت الأسباب، ولا يضيع إذا كان الله معه، وأن النجاة قد تأتي من حيث لا يحتسب أحد. هذه الكلمة وحدها قد تصبح في قلب الطفل أصلًا تربويًا عظيمًا يرافقه في مستقبل حياته كلما ضاقت به أزمة أو خاف من امتحان أو أحاطته مشكلة أو رأى الباطل منتفشًا.

ثم يأتي المعنى الثاني، وهو تعليم الطفل كيف يكون شكر النعم. فحين نخبر أبناءنا أن الله نجّى موسى وقومه من فرعون، ثم نصوم هذا اليوم شكرًا لله على هذه النعمة العظيمة، فإننا نربط في وعيهم بين الفرح بالنعم وبين العبودية للمنعم. فيتعلم الطفل أن نعم الله لا تُقابل بالغفلة، ولا بالانشغال بالمظاهر الفارغة، بل تُقابل بالحمد والطاعة والخضوع. وهنا يتغير مفهوم الامتنان في نفسه؛ فلا يعود الشكر كلمة تُقال فحسب، بل عبادة تُعاش.

إن أعظم ما يحتاجه الأبناء اليوم هو أن يتربوا على هذا الفهم: أن كل نعمة تستحق سجود القلب لله قبل فرحة الجوارح بها، وأن من شكر النعمة أن تُستعمل فيما يرضي الله، لا فيما يباعد عنه. فإذا تربى الطفل على هذا المعنى منذ صغره، نشأ وهو ينظر إلى النعم بعين العبودية لا بعين الاستحقاق، وبعين الشكر لا بعين الاعتياد.

ومن المعاني العظيمة التي يرسخها عاشوراء في نفوس الأبناء أيضًا الاعتزاز بالهوية الإسلامية والانتماء إلى أمة الأنبياء. حين يسمع الطفل أن النبي ﷺ صام عاشوراء وقال: «أنا أحق بموسى منكم»، فإنه لا يسمع مجرد خبر تاريخي، بل يتلقى رسالة هوية وانتماء. يتعلم أن علاقته بموسى عليه السلام ليست علاقة قارئٍ بقصة قديمة، بل علاقة وارثٍ بإرث الأنبياء، وعلاقة مؤمنٍ بإمام من أئمة التوحيد. يشعر أنه ينتمي إلى موكب الإيمان الممتد عبر القرون، وأنه جزء من أمة عظيمة أصلها الوحي، ونسبها الإيمان، وقادتها الأنبياء والصالحون.

وهذا الشعور في غاية الأهمية في زمن تتنازع فيه الهويات، وتتنافس فيه المؤثرات على تشكيل عقول الأبناء وقلوبهم. فالطفل الذي يُربّى على أنه ينتمي إلى أمة موسى ومحمد وإبراهيم وعيسى عليهم السلام، وأنه يحمل رسالة التوحيد التي حملوها، سيكون أقدر على مقاومة الذوبان في الثقافات المنحرفة، وأشد اعتزازًا بدينه وقيمه وشعائره.

غير أن هذه المعاني كلها لا تُغرس في الأبناء بمجرد الكلام المجرد أو الوعظ السطحي، بل تحتاج إلى أن يتحول عاشوراء داخل البيت إلى تجربة حيّة. يحتاج الطفل إلى أن يشعر أن هذا اليوم مختلف، وأنه ليس مجرد معلومة يسمعها، بل مناسبة يعيشها قلبًا وسلوكًا وذاكرة. ومن أجمل ما يفعله الوالدان أن يبدآ قبل عاشوراء بأيام بجلسة هادئة دافئة، تُروى فيها قصة موسى عليه السلام بأسلوب مشوّق يناسب أعمار الأبناء، مع أسئلة تفتح في نفوسهم باب التفاعل:

كيف كان شعور بني إسرائيل وهم يرون البحر أمامهم وفرعون خلفهم؟
ماذا كنت ستفعل لو كنت معهم؟
كيف غيّرت كلمة موسى المشهد كله؟

مثل هذا الحوار يخرج الطفل من دور المستمع البارد إلى دور المشارك وجدانيًا، فيتعلق قلبه بالقصة، وتثبت العبرة في نفسه.

ثم إذا جاء يوم الصيام، تحوّل البيت كله إلى مساحة عبادةٍ ودفء. يُشجَّع الصغار على المشاركة بحسب طاقتهم، ولو بصيام بعض اليوم، أو بتجربة الصيام لساعات تناسب أعمارهم. ويُشركون في تجهيز الإفطار، أو إعداد التمر والماء، أو إيقاظ الأهل للسحور، أو تزيين لحظة الإفطار بالدعاء والشعور بخصوصية هذا اليوم. هذه التفاصيل الصغيرة قد تبدو غير مهمة، لكنها في الحقيقة تصنع في وجدان الطفل أثرًا بالغًا؛ إذ تربط في ذاكرته بين العبادة والسكينة، وبين الصيام والدفء الأسري، وبين الطاعة والفرح القريب من القلب.

ومن المهم كذلك أن يُراعى في تعليم الأبناء التدرج بحسب أعمارهم. فالطفل الصغير لا يحتاج إلى الشرح المطوّل، بل إلى القصة الحية والصورة الواضحة والمعنى السلس: الله نجّى موسى لأنه مؤمن، والله يحفظ عباده إذا وثقوا به. أما الطفل الأكبر سنًا، فيمكن أن يُفتح له باب التأمل في معنى الشكر، وفي سرّ الصيام، وفي درس التميز عن غير المسلمين بصيام تاسوعاء مع عاشوراء. وأما “المراهق” والناشئ، فيمكن أن يُحاور حول السنن الإلهية في نصرة الحق، وسقوط الطغيان، ومعنى الثبات في زمن الفتن، وكيف يستلهم من عاشوراء موقفًا إيمانيًا في مواجهة شبهات العصر وضغوطه.

إن الثمرة الحقيقية من تربية الأبناء على عاشوراء ليست أن يصوم الطفل يومًا ثم ينتهي الأمر، بل أن يخرج من هذا الموسم وفي قلبه شيءٌ يبقى. يبقى معه حين يكبر، وحين يواجه خوفًا أو خسارة أو ضعفًا أو اضطرابًا. يبقى معه حين يشعر أن الطريق قد انسدّ، فيتذكر أن البحر قد انشقّ يومًا لعبدٍ قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. يبقى معه حين تغمره نعمة، فيعرف أن الشكر ليس كلمة تردد على الألسن دون معرفة لائقة بمقاصدها، بل طاعة تُؤدّى. لترافقه حين يرى الفتن تتكاثر، فيعلم أن الانتماء لأمة الأنبياء ليس لقبًا، بل موقفٌ واتباعٌ وثبات.

وهكذا يتحول عاشوراء من يوم في التقويم إلى درس ممتد في صناعة الإنسان المؤمن؛ الإنسان الذي يعرف ربَّه، ويثق بوعده، ويشكر نعمته، ويعتز بدينه، ويستمد من قصص الوحي ما يعينه على مواجهة الحياة بقلبٍ ثابتٍ وروحٍ مطمئنة.

وما أحوج بيوتنا اليوم إلى مثل هذه المواسم التي تعيد وصل الأبناء بالله عز وجل، وتمنحهم من الزاد الإيماني ما يحفظهم في عالمٍ تتنازعهم فيه الأصوات، وتتنافس على قلوبهم الشهوات والشبهات.

فلنُحسن استقبال عاشوراء في بيوتنا، بوصفه فرصة تربوية ربانية؛ نغرس فيها في قلوب أبنائنا اليقين، والشكر، والهوية، والعبودية… لعل كلمةً يسمعونها اليوم، أو موقفًا يعيشونه في هذا الموسم، يكون سببًا في ثباتهم غدًا، وفي نجاتهم يوم تشتد الفتن، وفي تعلق قلوبهم بربهم ما بقوا.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة