عاشوراء… حين ينفلق البحر لأهل اليقين
﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
لطالما تساءلت: بأي يقينٍ قالها موسى عليه السلام؟ ثم ما لبثت أن أجبت نفسي: لأنه عرف ربَّه حقَّ المعرفة.
فدعوت الله أن أعرفه حقَّ المعرفة. البحر أمامهم، والجند خلفهم، والقلوب ترتجف، والأبصار شاخصة، فقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. فقال، في يقينٍ لا يتزعزع: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
فتعلّمت أن صاحب اليقين قد تهتز من حوله القلوب، وتضطرب النفوس، ويخاف الناس، لكنه يبقى ثابتًا بتوكله، راسخًا بيقينه رسوخ الجبال.
فانفلق البحر، وشُقَّ منه طريق، وتهاوت أمام أمر الله جميع حسابات البشر المحدودة، وهلك الطغاة الذين ظنوا أن القوة بأيديهم.
ويأتي يوم عاشوراء ليذكّرنا أن اليقين جناحُ من لا جناحين له، وأنه مهما استحكمت الأسباب كلها لتكون ضدك، فإن قلبك يطمئن إذا أيقنت أن معك ربَّ الأسباب.
ويعلّمنا هذا اليوم أن الله إذا أراد شيئًا خلق من اللاسبب سببًا، وأن حسن الظن به لا يضيع، وأن الدعوات الصادقة ليست منسية، وإنما هي مدّخرة عنده سبحانه.
ذلك المشهد الذي لم يكن في أعين البشر فيه مخرج للنجاة، بل كانت كل الشواهد تنطق بالهلاك والضياع، كان جواب العارف بربه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. وكأن لسان حاله يقول: إن الله لن يضيّعني.
وكأنني أرى هاجر -عليها السلام- تردد المعنى ذاته، ثم تسعى بين الصفا والمروة، فتتفجر زمزم تحت قدمي صغيرها. ورغم اختلاف الزمان والمكان، لم يختلف اليقين. هكذا هم العارفون بالله؛ إذا ضاقت بهم السبل اتسعت قلوبهم بالله، وإذا انقطعت الأسباب، تعلقت أرواحهم بمسبّب الأسباب.
ويمر في خاطري قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فأظل أرددها وكأنها قيلت لكل خائف: إن الله معنا.
فأزداد يقينًا أن النجاة لا تُقاس بما تراه العيون، ولا بما تحسبه العقول، وأن التوكل وحسن الظن بالله واليقين بوعده هو سفينة النجاة إذا أحاطت بالمرء أمواج الخوف، وأُغلقت في وجهه الطرق.
ويطلّ يوم عاشوراء كل عام ليذكّرنا أن البحار قد تنفلق لأهل اليقين، وأن المستحيل يتبدد أمام قدرة الله، وأن من أحسن الظن بربه، وتعلّق قلبه به، فلن يخيّبه الله أبدًا.










