أتدرون من المفلس؟

|

​أتدرون ما المفلس؟
يُخيَّل إليَّ أن أول إجابةٍ خطرت على بالكم هي ذاتها التي خطرت على بالي، وعلى بال غالبِ من مرَّ عليه هذا السؤال، حتى صحابة رسول الله ﷺ.

المفلس من لا مال له ولا متاع.

هذا كان ردَّهم، ولكن تعالوا معي نستقي من مدرسة النبوة، ونرى ما كانت إجابة رسولنا الكريم ﷺ على صحابته.
​قال ﷺ:
«إنَّ المُفلِسَ من أمَّتي يأتي يومَ القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار».
رواه مسلم.

​إذًا، هذا هو الإفلاس الحقيقي.
​شتمٌ وسباب، ولو على سبيل المزاح.
غيبةٌ ونميمة، بغرض التسلية واللهو وإرضاء الفضول.
قذفٌ لإطفاء فتيلة غضب، وضربٌ لإرضاء شعور الفوقية، والرغبة في الفوز، وغير ذلك.
​أذكر شعوري أول مرةٍ علمتُ بهذا الحديث، كيف زارني الفزع، وكيف تراءى لي الإفلاس في أكثر من صورة.
خشيتُ على نفسي من نفسي.
​نعم، من سيؤدي بي إلى الإفلاس؟ نفسي وهواها.
استحضرته في كل مرةٍ أمسكتُ فيها لساني عن أن يتفلّت بما يُنقص من رصيدي، واستشعرتُ معنى أن يكون الصمت نجاةً في مواضع كثيرة.
​وحاولتُ أن أُذكِّر من فعلها معي، فقلتُ لهم على سبيل المزاح: «شكرًا على الحسنة، دون سعيٍ مني إليها».
​وفي كل مرةٍ رددتُ على نفسي:
رصيدكِ غالٍ.
​تخيّلي أن تتعبي، وتجتهدي، وتسيري، وترجوي، ثم تعطيه لآخر على طبقٍ من ذهب؛ بسبب بعض اللهو الذي لذّتُه عابرة، أو بعض الغضب الذي تطفئينه بنار الثأر.
​وجاورتُ الخوف لحظاتٍ كثيرة، وما زلتُ معه؛ خوفَ الزلل، وحملَ حقوق العباد على أكتافٍ بالية، وقلبٍ مُهترئ، كلُّ ما يرجوه هو أن ينجو.
​الإنسان العاقل، العاديّ، الذي يعرف قدر رصيده وماله، تجده لا ينفقه دون حسابٍ وتريُّث، ويحافظ عليه بكل ما أوتي؛ لماذا؟ لأنه يخشى عاقبة الإفلاس، وأن يصل إلى درجة: لا مال ولا متاع.
​فكيف إذا كانت العاقبة وخيمة؟!
ليس أيَّ إفلاس، بل إفلاسٌ في دار القرار والبقاء.
​وأتخيّل يومها أن يُقال للمظلوم:
«خُذ حتى ترضى».
وماذا سيبقى لي؟

​اللهم عافِنا من الزلل، ومن حقوق عبادك، ومن مظالم لا طاقة لنا بحملها، واغفر لنا ما زلّت به ألسنتنا وأيدينا وقلوبنا.
​اللهم لا تجعل لنا على أحدٍ حقًّا، ولا لأحدٍ علينا حقًّا إلا أدّيناه أو عفوتَ عنّا فيه، ولا تجعلنا يوم نلقاك من المفلسين.
اللهم اجعلها لا لنا ولا علينا؛ لا حسنةً نأخذها من أحد، ولا مظلمةً يحملها أحدٌ منّا إلى يوم يلقاك.
​فلا قِبَلَ لنا بها.
يا رب، لا نطيق الإفلاس هناك، فلا تكلنا إلى أنفسنا، واعفُ عنّا قبل أن نلقاك.

للمزيد:
عوض الله… ليس شرطاً أن يكون هنا
كيف تسير إلى الله على نور من الله؟

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة