عوض الله… ليس شرطاً أن يكون هنا

|

أذكر أني في الصّغرِ، عندَما فطنتُ لمعنى كلمةِ “عوض” مِنْ حديثِ مَنْ حَولي، والّذي كانَ يُقصدُ بهِ في الدُّنيا، كانَ هناك زاويةً في فكرِي مُتَّقِدة بمعنى آخر، أنارها خاطرٌ كنتُ أُسرّه في نفسِي؛ ما بينَ يقين المتفكّر وشكّ الصغير الّذي لم يتشرّب الفكرة، والمعنى من جميعِ نواحيها، وبالتَّأكيد; لأنَّه يحتاجُ أن يؤكِدَ لهُ الكِبار أنَّه صحيح، ببساطةِ لأنهم كِبار، ولأنَّه صغير.
كان ردّي في داخلي عليهم كل مرة، وأنا أرى اليقين في كل حرف ينطقونه:
«ربما لا… ما ممكن أن يكون العِوَض غير هنا، ليس شرطًا… أليس هناك آخرة؟»

بالطبعِ لم أكنْ أدرِكُ معنى هذهِ الفكرة بمعناها الحرفِي، ولا ملمّة بكاملِ تفاصيلها، على عكسِ الآن، وأنا أشعر أنها ممزوجة بي مِن كثرةِ تعايشي معها، ومعرفةِ حقيقةُ الدُّنيا.

فالدُّنيا دارُ كبدٍ، وكدرٍ، وشقاء، ولا تصفو لمؤمنٍ أبدًا، ولا لامرِءٍ أبدًا.
والإنسان هنا في محطّ اختبار، ونتيجة هذا الامتحان النهائية سيحصل عليها هناك.
وأن الله -تعالى- قد يدّخر عِوَض عبده لآخرته رحمةً به، ولحكمةٍ يعلمها، وهذا أفضل وخير عِوَض له. وأن الإنسان يسعى ألّا يرى نفسه في دائرة المستحق، أي: «أنا تعبت، فالله يجب أن يعوّضني ويعطيني ما أرنو إليه».
وينسى أنَّ الله هو مَن وفّقه للسبب الذي يطالبُ به النَّتيجة الآن. فهنا يكمن التسليم؛ فيقول: «عوّضتني أم لم تعوّضني يا رب، فأنا راضٍ، وأنا عبدك، تفعل بي ما تشاء».

الآن، صحيح أنّني كبرت، وصرتُ أحاول أن أتجرّع حقيقة هذه الفكرة على فتراتٍ ومرّات، ورغم مرارتها ولذعاتِها، فإنها تعلّم الإنسان ألّا يحزن حزنًا يُنغّص عليه عيشته، إذا تأخر عِوَض الله، وإذا لم يأته، فيتصبّر بالآخرة، وبحسن الظن بالله أنه ادّخر عِوَضه للحياة الباقية.

الآن، صحيح أنّني كبرت، وكبر هذا معنى عوض الله داخلي، وتفرّع، وتشربتهُ نفسي جيدًا، لكن رغم ذلك لم يمنعنِي إدراكي أن أرجو وأهفو إلى أن أرى عِوَض الله متمثّلًا أمامي؛ ليس لأنَّني أتوقُ إلى السعادة; بل لأني أحب أن أرى قدرة الله العظيمة في كيفية قلب الأمور بطريقة يعجز عن تصورها الإنسان، فيعوّض بالسبب وبدون السبب. ولأنني سأستبشر به، ولأن إحساس الإنسان بقرب الله منه، وأنه كان معه ولم يغفل عن آلامه وتصبره، فيقول: «الله اللطيف، الكريم، الرحيم، العظيم عوّضني هنا بهذا».
فكيف بعِوَضه هناك؟
وأردد كثيرًا: «يا لطيف، يا عظيم المَنَّ، أكرمتني على تعبٍ وتجاوزٍ وصبرٍ كنتَ أنت قد مننت عليّ به، والآن تعوّضني عن المِنّة بمِنّةٍ أخرى متمثّلة في كلمة عِوَض. سبحانك، ما شكرناك حق شكرك، اللهم اغفر لي».
ولأنني أيضًا سأرى عِوَض الله كربتةً خفيفة على قلبٍ يقاسي مرارة تجرّع أسئلة الامتحان، أوقن إيقانًا يغمرني أنه شعورٌ ما بعده شعور من وُدٍّ ولطفٍ وحنان.

صحيح أيضًا أنَّني في كثيرٍ من الأحيانِ أقول: «كيف لو عوض الله في الاثنين؟» نعم، يستطيع أن يعوّضني في الاثنين ببساطة؛ لأنه القدير المتعال. ودليل ذلك أن الله يعوّض تعب المشقَّة في العبادةِ بلذةٍ وفلاحٍ في الدُّنيا، وجزاءٍ كبيرٍ جدًا هناك، ألا وهي الجنة. ربي ما أرحمه وأكرمه.

الله الجميل الجليل، عوّضه جزاء صبره وجهده، رغم أنه هو من أعطاه القدرة الكافية والإرادة على الصبر والجهد. يا حنّان، يا منّان، تُجازي على النعم بالنعم. اللهم حبّك ورضاك… هكذا أهمس في داخلي عندما أرى عِوَض الله لعبادِه.

﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة