يقول الإمام الشافعي -رحمهُ اللّٰه-: (إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معًا فعليك بالعلم. والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئًا. ويظل المرء عالمًا ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل).
هلّا تأمّلنا قليلًا هذه الوصية العذبة؟ تبدو كما لو أنها وصية قد نُقلت خصيصًى لنا نحن معشر هذا الجيل، تُخبرنا أن العلم هو المفتاح السحري لكل ما نطمح إليه. تخيلوا معي أن الدنيا حديقة غنّاء، والآخرة فردوس مخلّد، والعلم هو الماء الذي يروي كليهما! فإذا ما عطشتم للنجاح في دروب الحياة، أو اشتاقت أرواحكم لسعادة أبدية، فليس لكم إلا أن تتجهوا نحو أنهار المعرفة. فالعلم ليس مجرد كلمات تُحفظ أو أرقام تُجمع، بل هو نور يُبدد الظلمات من حولنا، وبصيرة ترشدنا في دروب الحيرة.
أوليست هذه الوصية دعوة لأن نعطي العلم كلنا؟ كأن العلم حبيب غيور، لا يرضى بأنصاف الحلول. كما لو أنه يقول لنا: إذا أردتم أن تذوقوا شهد ثماري، فتعالوا كلّكم، بكل شغفكم، بكل وقتكم، بكل قلوبكم. تخيلوا أن العلم كزهرة نادرة، لا تتفتّح أوراقها الجورية إلا إذا سقيناها بماء أرواحنا الصافية، ورعيناها بضوء عيوننا المتوهجة!
فإذا ما أعطيناهُ بعضًا من اهتمامنا، أو تظاهرنا بحبه، فلن يهدينا حتى عبيره! ولأننا نعلم أن الحب الصادق هو مفتاح كل شيء، فلتكن رحلتنا مع العلم قصة حب حقيقية، نمنح فيها كل ما لدينا؛ لنرى العجائب تزهر في حياتنا.
ثم أنّ الروح لترقُص في بحر المعرفة! وهنا تكمن الروعة الحقيقية. “ويظل المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل”. أليست هذه الجملة كموجة تداعب شاطئ الروح؟ تذكرنا أن المعرفة بحر لا نهاية له، وكلما غصنا فيه أكثر، اكتشفنا مدى اتساعه وعمق أسراره.
إياكم أن تقعوا في فخ الغرور! فلحظة تظنون أنكم قد أحطتم بكل شيء، هي ذاتها اللحظة التي تُعلنون فيها عن جهلكم. فلتكن أرواحكم دائمًا فضولية، تتوق لاكتشاف كل جديد، لا تتوقف عن السؤال والبحث. فجمال العلم يكمن في رحلته اللا نهائية، في سعيكم المستمر نحو المزيد من النور والجمال.










