لَا تمُدّنّ عيْنَيك

|

قال رسُول اللّٰه ﷺ: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه»[رواه مسلم].
أصبحنا نعيش واقعًا أقلّ ما يوصف به أنه سباق نحو المزيد من كل شيء، من المال والجمال والرفاهية والإعجابات والمتابعين…

وكلّما حصّلنا درجة عالية سرعان ما تختفي قناعتنا ويربأُ الطّمع؛ فتتجه أنظارُنا للأعلى والأجمل فنعود للدوران في ذات الحلقة المُفرغة (هل من مزيد؟).
كثرة اللهث وراء المزيد تترك ولا شكّ أثرًا سلبيًّا على صحتنا النفسية، فكيف يمكن للرضا أن يكون سبيل السّلامة؟

دينُنا الحنيف منهج حياة متكامل، يُرشدنا في جميع جوانبها لما فيه الخير لنا سواء أدركنا الحكمة بعقولنا القاصرة أم لم ندركها، ومن مجموع تلك الخيرات يعلّمنا سُبل السلامة النفسية من أمراض المقارنة والغيرة والسخط على واقعنا وأنفسنا ويُدني لنا طوق النجاة من دوّامة المزيد.

وفيما يأتي بيانُ بعضٍ من أهم هذه السبل:

  • الرّضا: أي: القناعة، والقناعة لا تتنافى مع السعي لتحصيل الأفضل دون حرص ولا تكدُّر، بل هما مكملان لبعضهما، بهما يعيش الإنسان سعيدًا راضيًا بقسمته ساعيًا للتحسين بقدر الإمكان، فإن لم يتحصّل فلا حزَن، وإن تحصّل فبها ونعمَ.

إن منبع الرّضا يكمن في الإيمان بأن اللّٰه هو الرزّاق وبيده الخير، وأنه حين خلقنا في بطون أمّهاتنا أمر الملَك بأربع كلمات: “بكتب رزقه وأجله وعمله وشقيّ أو سعيد”، فقسَم لكلّ منا في هذه الحياة نصيبه، ومهما سعى فلن يأتيه غير رزقه ولن يموت حتى يستوفيه كاملًا.

  • الحمدُ: وهو الثّناء بالجميل، أي: الامتنان على الأفضال والنعم.
    يوجّهنا نبينا الكريم إلى دوام حمد الله على نعمه واستشعار أفضاله علينا، إنّ استشعار معنى الامتنان لله على كل نعمه يولّد في قلب المؤمن شعورًا عميقًا بالرّضا لا يُنازعه سخط.
  • النّظر لمن هم دونك: استشعار الابتلاءات التي يعيشها الفقراء، والمشردون، والمروَّعون من الحروب وانعدام الأمان يعيد ترتيب أوراق الإنسان وينتشله من سطحية التّفاهة إلى عُمق الوعي، ويُقنعه بما عنده لمعرفته أن حياته التي يكرهها غيره يراها رفاهية يتمناها، تمامًا كما فعل طوفان الأقصى وحرب الإبادة على غزّة حيث فتحا أعين الكثيرين وأيقظاهم من غفلتهم؛ فالنظر للمنح العظيمة الأساسية يغضّ طرفك ولو قليلًا عن الكماليات.
  • قوله تعالى: « لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ»: في عالم أصبحت فيه معايير الحياة مُرتبطة بما نراه في معامل تصنيع السعادة الرّقمية (السوشيال ميديا)، لا أرى أنه يمكننا النجاة بسلامتنا النفسية إلا بهذا المبدأ.

ولنفهم كيفية تحوّل مواقع التواصل الاجتماعي من أدوات للتواصل إلى بؤر للأمراض النفسية، يجب أن نفهم كيفية عملها.

تعتمد “السوشيال ميديا” على إبراز الأفضل من كل شيء، المزاج، العلاقات، النزهات، التسوق، الملابس الطعام بل وحتى السعادة؛ فكل ما يظهر أمامنا يتم انتقاؤه حسب رغبة الناشر وفلاتره وتعديلاته، ولا يعني بالضرور أنها حياته الحقيقة وأن هذه بشرتها الصافية الحقيقة، وأن هذا حالهم على الدوام، ورغم أن البعض يعيشون هذه الحياة حقًّا فإن الأغلب إنما يتخيرون ما يريدون لتبدو حياتهم بصورة مُبهرة، وبينما نحن نشاهد يوميّاتهم يتولّد في أنفسنا -شئنا أم أبينا- شعور بالدُّونيّة ودوّامة من المقارنات والرغبة في الحصول على مثل هذه الحياة، وكما قال د. ياسر الحزيمي: “بين عيش المتوقع والواقع المعيش تحدُث الصدمة!”

الصدمة التي تكون على هيئاتٍ كثُر، انعدام الثقة في النفس، واكتئاب وقلق وتوتر وسخط على واقعنا حين يتبدّد الوهم وندرك أنه لا يمكننا الوصول لما وصلوا إليه! قد لا يظهر هذا التأثير فجأة، ولكنه يتراكم في القلب حتى نفقد السيطرة.

أثبتت الدراسات أنه أثناء السعي الدائم للمزيد ومتابعة ” الريلز” ومقاطع “الفلوغ” يُفرَز الدوبامين (هرمون السعادة) بشكل مؤقت، ومع تكرار عملية الإفراز لذات السبب يصبح الدماغ أقل استجابة، مما يؤدي إلى فقدان اللذة (Anhedonia) وهو عرض مركزيّ في الاكتئاب.

ووفقًا لدراسة نُشرت في “Nature Human Behaviour (2021)”، يرتبط عدم الرضا بتنشيط مفرط لمناطق القلق في الدماغ، مما يزيد هرمون الكورتيزول ويُضعف المناعة.

فلا تنظر لفضُول وفَضل ما لدى الآخرين؛ فإنّك كلما اتسعت عينك ضاق صدرك، كُفّ عنهم، لا تمدن عينيك إليهم، لا تُهدر أوقاتك وطاقاتك في مشاهدة حياة الآخرين ناسيًا أن لك حياة ينبغي أن تعيشها وآخرة ينبغي أن تسعى لها، فالحياة ولا شكّ أكبر من مجرّد “ستوري”!

والسؤال هنا: كيف ننقل مبدأ ” لا تمُدّن عينيك” إلى المنحى العملي؟

أوّل خطوات ذلك هو فهم الدنيا على حقيقتها وخاصة في ضوء الآية الكريمة التالية، قال تعالى:

﴿لَا تَمُدَّنّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أُزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾

نحتاج بشدة إلى الوعي الذي يُخرج المُؤمن من ضيق الأزمة إلى سعة الحكمة، فانظر إلى أهل غزة وعِظَم مُصابهم ثمّ تفكّر في عِظَم صبرهم، ما كان يُصبّرهم على هذا البلاء غير الإيمان واليقين وقلوب تخلّصت من العلائق الدنيوية الماديّة!

وفي المُقابل هناك أناس تكاد عيونهم تخرج من محاجرها مع كل غني ومشهور، مع كل سيارة فخمة وقصر مشيد، مع كل ممثلة ومشهورة تتفوق عليها في الجمال، مع كل ما هو ليس عندهم ولو كان عندهم ما هو خير منه، فالله قال لنا لا تمدن عينيك، ووصف كل ما عندهم بالمُتَع وأنّه زهرة الحياة الدنيا، أي: زينتها وبهجتها، فمصير هذه المُتع الانقطاع، ومآل هذه الزهرة إلى الذبول، وما جعل اللّٰهُ هذه المتع إلا لتكون ابتلاءً لهم، فهذه المتع إن لم يتّقِ صاحبُها اللّٰهَ فيها تكون وبالا عليه ومصدر عذاب وشقاء، فـ “قد يُنعم اللّٰه بالبلوىٰ وإن عظُمت، ويبتلي اللّٰه بعض القومِ بالنّعم”.

يوضّح لنا الله جلّ وعلا في أزهد آية في الكتاب العزيز أن متاع الدنيا لا يغني عنا من الله من شيء، وأننا لم نُخلق لنعمُرها بل لنعبُرها، قال تعالى:

 ﴿أَفَرَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ﴾. 

قال ميمون بن مهران لابنه لمّا وعظهُ الحسن البصريّ بهذه الآية: (يا بُنَيّ، لقد قال آية لو عقِلتَها لجعلت في قلبك كلومًا وكلومًا).

ذكر أصحاب التّراجم والسير أنّ ابن حازم دخل على عبد الملك بن مروان فحدّثه ووعظه، فكان من جُملة ما سأله: (يا أبا حازم، ما لنا نكرهُ الموت؟
فقال: لأنكُم عمرتم الدّنيا وخرّبتُم الآخرة، فأنتم تكرهون الخروج من العمران إلى الخراب).

فإن استطعت أن تعمُر الدنيا والآخرة فافعل، وإن كان لا بُدّ من اختيار أحدهما فكُن عاقلًا، لا تمُدنّ عينيك واختر ما يبقى.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة