“الفتاة المسلمة بين القرار في البيت والعمل!”

|

وإنني ليشقُّ عليَّ ما تلقاه أمَةُ الله، من تكليفٍ زجريٍّ لها بالعمل خارج أسوارِ بيتها، الذي هو حصنها الحصين، الذي يحفظ عليها نفسها ودينها وسويَّةَ فطرتها، فيما لم يُلزِمها به الشرع، ورفعه عنها، وكفله لها عن طريق وليِّها، سواء أكان أباً أو أخاً أو عمّاً أو زوجاً.
لكن ويا أسَفي، يظلُّ للأهل والمجتمع رأيٌ آخر، يتعلَّل بالواقع المعاصِر الذي لا يُقيم وزناً لمن تخَلَّفَت عن سيرورته، وارتأت أن تشقَّ الهديَ القويمَ والنهجَ السليم، تُظلِّلها سحائبُ رحمةِ الكتاب والسُّنَّة!

وإنك لتجد الفتاة، مذ أن تعي وجودها، تُهيَّأ لما يُهيَّأ له الفتى، فتشاركه طموحَ الدراسة والجامعة، ثم العملَ والضربَ في الأرض والتكسُّب، ولا تُفرِّقُ في ذلك — لما رُبِّيَت عليه وأُشرِبَته من ثقافةٍ مجتمعيةٍ — إن كان مسلكُها يوافق فطرتَها وما أجازته الشريعةُ لها أم يُخالفه.
وهذا نتاجٌ للعبثِ بإعداداتها العقائدية والفكرية، ولادِّعاءِ أحقِّيَّتِها بالمساواةِ مع الجنس الذكري، متناسين قول الله جل في علاه:
{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ} [آل عمران: 36].
فظنَّت أن ما يتَّفِقُ عليه الجمع هو القاعدة الثابتة الوحيدة التي لا حياد عنها، ومن حاد عنها فقد أتى بكبيرة!
إلى أن يلفحَ مشاعرَها حَرُّ ما أقبلت عليه، وتلقى مشاقَّ لا قِبَلَ لها بها، فيهونُ عزمُها ويضعفُ عظمُها، فتصرخُ الفطرةُ فيها: “الله أكبر!”
فترمي بنفسها بين أحضانِ فطرةِ الله التي فطرَ الناسَ عليها، شريطةَ أن تخوضَ معركتَها لهدمِ أصنامِ عبوديةٍ وتقديسِ عملِ المرأةِ في نفسها وبيئتها! وهيهاتَ هيهاتَ أن تسلمَ من لذعِ ألسنةِ من حولها!

وإنك لتجد الفتاة عازمةً على القرارِ في بيتِ أهلها بعد تخرُّجها، راضيةً، مستغنيةً عن رغيدِ العيش، مستغنيةً بالله، باعت دنياها لله واشترت آخرتها، وعزمت أن تعملَ من عُقرِ دارها بما يسَّره الله لها، وأن تسدَّ بعض الثغور التي تقوم عليها النساءُ في المجتمع فيما يوافق الفطرةَ والشرع، وأن تتضلَّعَ من معينِ القرآن حفظاً وعلماً وعملاً وتدبُّراً.
وتسقي غصنَ الأنوثة فيها ماءً غيرَ آسنٍ، فيتبرعمُ ويورقُ من جديدٍ بإذن الله، وتبني جسورَ وصلٍ متينةً بينها وبين روحها، فتكون أنثى مؤمنةً قويةً حقًّا بالمنظور الشرعي، لا المنظور الشعوري، الذي تمليه أهواءُ الناس، استجابةً لأمر الله تعالى:

{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: 33]،
وقوله سبحانه: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34]،
وقوله عليه الصلاة والسلام: (وأقربُ ما تكونُ المرأةُ من وجهِ ربِّها وهي في قعرِ بيتها).

لكنها لا تلبثُ أن تجدَ الصدَّ والامتناعَ من الأقربين. كيف لا؟! وقد أنفق عليها أبوها من ماله وأمَلُه أن تكبرَ ابنته وتحصلَ على منصبٍ مرموقٍ في المجتمع، يُشار إليه بالبَنان، فيقال: “تبارك الله! هل رأيتم ابنة فلان!”
وأمله أن تستقلَّ ابنته عنه بمالها، وتُعينَه على الدهر، حتى وإن كان مقتدراً، ولا بأسَ إن ضُرِبت بينهم الحُجُبُ وبعدت المسافاتُ، فلا يراها إلا قليلاً قليلاً، حتى وإن كان ذلك عكس ما ترغبه ابنته، فيُحرَم أُنسُها قبل أن يُسلِّمَ مشعلَ القوامةِ والولاية عليها لزوجها.
يغنيه أنها أمَّنَت مستقبلها وخاضت مراحل الحياة جميعَها التي يخوضها الناس!
إنها إذاً “على قيد الحياة وعلى قيد الحلم!” هذا ولو على حساب نفسها ودينها وصحتها ورغماً عنها!

وقد قال العليم الخبير: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق: 1]،
مع أن البيوتَ لأزواجهنَّ أو لأوليائهنَّ، قال العلماء: “مراعاةً لاستمرارِ لزومِ النساءِ للبيوت، فهي إضافةُ إسكانٍ ولزومٍ للمسكن والتصاقٍ به، لا إضافةُ تمليك”.
وقال عليه الصلاة والسلام: (رفقاً بالقوارير).
فهل رفقتم حقًّا بهن؟! وها أنتم قد أسأتم الظنَّ بربِّكم، وتناسيتم أن ربَّكم الله يتولّى المؤمنة المقيمة لحقِّه سبحانه، ويرزقها من خزائنه وهي في عُقر دارها، تدعوه وتتبَتَّلُ إليه.
وقد شهدتُ من البنات من تلقَّت هذه البشارات، وعاشت في كنف هذه الآية حقيقةً، ولم ينضب معينُها عنها أبداً:
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].

وما أرى هذا السعي الحثيث خلف إلزام المرأة بالعمل والتكسُّب واستقلالها عن وليِّها، إلا حياةً واهمةً قد قدَّسها الناس، تتهافت فيها الأنفس خلف زينة الحياة الدنيا وزُخرفها، وإن كان ذلك على غير وِزانِ الشرع!
قال رسول الله ﷺ: (فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَطَ عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافَسوها كما تنافَسوها، وتُلهيَكم كما ألهَتْهم).

فتُتَّهَمُ الأنثى بالاتكاليَّة والتواكُلِ على غيرها وضعفِ الشخصيَّة، فقط لأنها تستوحشُ خارج مملكتِها وتفقدُ الأمنَ والسكنَ لما تلقاه من شدَّةٍ وجرأةٍ تتطلَّبها الحياةُ المهنيَّة، وإن كان هذا هو الأصلَ في خلقتها، خلافَ الرجل.
يقول الحكيمُ بأحوال العباد:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].

ويُنظر إليها لما أسلفنا ذكره على أنها قليلةُ شأنٍ، ترضى أن تُثقِل كاهل أهلها مرةً أخرى، وناكِرةٌ لفضلهم فيما أسدوه لها من خدمةٍ طيلةَ سنوات الدراسة، فتجازيهم — بعد كل تضحياتهم — بقرارها في البيت وسلوكِها مسلكَ علمٍ أو عملٍ آخرَ قد يكون مخالفاً لمشوارها كلِّه!
فيثقلُ عليها الحملُ مرةً أخرى، حتى يكاد أن يكسرَ قلبها، لولا لطفُ الله بها، فتُداري نفسها حتى تُخفِّف عنها ما تجد من ألمِ خذلانهم لها وخيبةِ أملهم فيها، كما وصفوا، ومرةً أخرى من ألمِ عدمِ فهمهم وضعَها وتقديرهم شعورَها.
فترى أن ما صُرف عليها طيلةَ سنوات الدراسة دينٌ وجبَ عليها سداده!

وقد جاء عن محمدٍ ﷺ: (مَنِ ابتُليَ من هذه البناتِ بشيءٍ فأحسنَ إليهنَّ كُنَّ له ستراً من النار)،
وقال أيضاً: (مَن كان له ثلاثُ بناتٍ فصبر عليهنَّ، وأطعَمَهُنَّ، وسقاهنَّ، وكساهنَّ من جِدَتِه كنَّ له حجاباً من النار يوم القيامة).
وقال المفسرون: إن المراد بهذا أنَّ أجرَ القيام على البنات أعظمُ من أجر القيام على البنين؛ إذ لم يُذكر مثلُ ذلك في حقِّهم؛ وذلك لأجل أن مؤنةَ البنات والاهتمامَ بأمورهنَّ أعظمُ من أمور البنين؛ لأنهنَّ عوراتٌ لا يُباشرنَ أمورَهن، ولا يتصرَّفن تصرُّفَ البنين، وكذلك لأنهنَّ لا يتعلَّقُ بهنَّ طمعُ الأب بالاستقواء بهنَّ على الأعداء، وإحياءِ اسمِه واتصالِ نسبِه، وغيرِ ذلك، كما يتعلَّقُ بالذَّكر؛ فاحتيج في ذلك إلى الصبر والإخلاصِ من المنفِق عليهنَّ مع حُسنِ النية؛ فعظُم الأجرُ، وكان ذلك سبباً للنجاةِ من النار.

وقد جاء أيضاً عن رسول الله ﷺ: (ما من رجلٍ تُدرِكُ له ابنتان فيُحسِنُ إليهما ما صحبتاه أو صحِبَهما إلا أدخلتاه الجنة).

فواحسرتاه على أنوثةٍ تُوأَد أمام العيان، والناس في شُغلٍ خائضون! تتجسَّد لهم صورةُ الأنثى القارَّة في بيتها على أنها كثيرةُ نومٍ وأكلٍ وشربٍ، تعيشُ لشهواتها فقط، ولا تُسدي لأهلها أو لمجتمعها خدمةً، وهي مبرَّأةٌ من كلِّ هذا، وإن بذلت ما بذلت، وواسَت، وقدَّمت لغيرها من خيري الدنيا والآخرة ما قدَّمت، وبرَّت أهلها، وتعلَّمت أمرَ دينها فعلَّمت وأدَّت ما أوجب الله عليها وكلفها به.
ومن كلِّ هذا وذاك يُنظر إليها على أنها ناقصة! ناقصة!
بينما تظلُّ صورتُهم النموذجية عن الأنثى هي التي تمضي ساعاتِ الأسبوع الطوال في عملها، حتى يستبدَّ بها التعب، وتصبر على عناء المواصلات صباحَ مساء، مُبطِنةً آلامها النفسيةَ والجسدية، محاولةً تجاهُل مصابها، لأن المجتمع أوهمها أن هذه “طبيعةُ حياةِ كلِّ أنثى!” حتى وإن لم تكن تعمل لضرورةٍ شرعية!

عجيبٌ اختلالُ الموازين هذا! بالله عليكم، على أيِّ أسسٍ أقمتم هذه الموازين، حتى تُصنَّف المرأةُ الناجحةُ دونَها؟!
ورسولُ الله ﷺ قال: (إذا صلَّت المرأةُ خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنةَ من أيِّ أبوابِ الجنةِ شئتِ).
ألا إن هذا لهو الفوزُ المبين!

وختاماً،
ولكلِّ من كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد، قال جل جلاله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]،
وقال أيضاً:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة