من نوازلِ عصرنا أنَّه غابَ عن المُربِّي، وغُيِّبَ عن المُتربِّي في أثناء تربيته، ما يحتاجه من أمورٍ طبيعيَّةٍ حينما سيصل إلى سنِّ الزواج.
حُجِبَ عن الأنثى ما تحتاجه لتكون زوجةً وأمًّا بحقّ، كما حُجِبَ عن الذكر ما يحتاجه ليكون زوجًا وأبًا بحقّ.
فصار جُلُّ ما يُهتمُّ به هو الجانب الأكاديمي وبعض الأمور الظاهريَّة الأخرى.
فمعظم ما تُؤمر به الابنة هو أن تهتمَّ بدراستها، لأن في ذلك مستقبلها واستقلاليتها.
وفي الوقت ذاته تراهم يأمرون ابنهم بأن يلتفت إلى دراسته فقط، وما عدا ذلك تحصيلُ حاصلٍ يأتي مع الأيَّام.
فنصلُ إلى الطامَّةِ الكبرى بعد الزواج، فنرى:
زوجةً لا تعرف إدارة أقلِّ الأمور المنزليَّة،
وأمًّا ما سُمِعَ ولا وُضِعَ يومًا على عاتقها حِمْلُ المسؤولية، فضلًا عن أن تحمل مسؤولية بيتٍ وزوجٍ وأطفال.
وزوجًا لا يعرف إدارة أقلِّ الأمور في منزله، فضلًا عن أن يُديرها خارجه.
تراه لا يعرف ابتياع حاجيَّات المنزل، ولا يحمل مسؤولية الالتزام بذلك.
وأبًا ما سمع يومًا أنَّ التربيةَ حِمْلٌ على الوالدين معًا، وأن عليهما أن يتقاسماه.
ومن غير أيِّ مُقدِّماتٍ أو تهيئة، يُوضع الزوجان أمام جبالٍ من المسؤوليَّات، وحِمْلٍ من الالتزامات، ويُطلب منهما حملها والعمل بمقتضاها.
فهل من المعقول أن نجد فتاةً أجادت التعامل مع كمٍّ هائلٍ من المحاضرات، ثم عجزت أمام تنظيف الأطباق؟
وأن نجد شابًّا حاذقًا في حلِّ المسائل الرياضيَّة واستنتاجاتها، ولكنه عاجزٌ أمام الإدارة الماليَّة؟
وإن دلَّ ما سبق على شيءٍ، فإنما يدلُّ على قصورٍ في تصوُّر المتربِّي لمعنى التَّربية، وحصرها في مسارٍ واحد.
إلى الآباء والأمهات:
أرجوكم، كفُّوا عن تضخيم الدِّراسة في حياة أبنائكم وكأنها وحدها تكفي لسيرهم في الحياة ونجاتهم في الآخرة.
إنَّ البناءَ الذي يُركَّز في بنائه على طرفٍ واحدٍ، سينتج لنا مبنًى مائلَ الشقِّ.
وللذين يرون أنَّ الأمر تافهٌ لا يستحقُّ الوعيَ به والتنبيهَ عليه، نقول لهم:
اذهبوا وانظروا في الأسباب المؤدِّية إلى انفصال الكثيرين، فستجدون أنَّ من العوامل الجذرية لذلك تعود إلى هذه الأسباب التي لا تُولونها اهتمامًا، وترونها تحصيلَ حاصلٍ يمكن اكتسابه لاحقًا.
وليس هدفنا من كلِّ ما قيل التزهيدَ في الجانب الدراسي أو تهميشه،
إنَّما كلُّ ما ندعو إليه هو التوازن، وإنزال كلِّ أمرٍ منزلتَه.










