كنتُ أسترجع مشاهد التاريخ، وأتفكّر في عجبٍ من أعاجيب هذا الكون.
كيف أن الفراعنة قد أنفقوا أعمارهم، وبذلوا جهدهم، ليحفظوا أجسادهم من أيدي الناس، ويُحصّنوا مقابرهم من الدخلاء، فأقاموا الأهرامات الشاهقة، ونصبوا الأفخاخ في الممرات، ونقشوا على الجدران التعاويذ والتهديدات، ظنًّا منهم أن خلودهم المزعوم سيصمد أمام الدهر.
ولأجل تلك الحِيَل، وذاك الغموض، كثرت أساطير اللعنات، وتناقلت الأجيال قصص الرهبة من مسّ مقابرهم.
ثم شاء الله – الذي لا يغيب عنه شيء – أن تُفتح قبورهم بأيدي البشر أنفسهم، وأن تُعرَض أجسادهم في المتاحف أمام العيون، تُقلب وتُدرس، بعد أن قضوا أعمارهم في اتقاء نظرةِ أحدٍ إليهم.
يا لسخرية التاريخ!
أرادوا الخلود في الأرض، فصاروا دليلًا على فنائها.
وأرادوا أن يخفوا أجسادهم عن الأبصار، فصاروا مشهدًا لكلّ ناظر.
وكأنّ الزمان يقول لهم:
“من رام الخلود في غير دار الخلود، كان كمن بنى قصرًا من الرمال.”
ولقد شدّد الإسلام على حفظ حرمة الميت، وصان جسده عن الامتهان، فنهى عن كسر عظمه أو إيذائه، وعدّ حرمة الميت كحرمته حيًّا. فيُدفَن طاهرًا في ثراه، ويبلى جسده كما أراد الله له، لا أن يُعرَض جسده مكشوفًا للأعين، تلتقطه العدسات، وتتناوله الألسن والأنظار!
وإن التلاشي في أحضان الرمال، والانحلال في رحم الأرض، أكرم للإنسان من أن يُسلب ستر موته. ومن استأمن الدنيا على بقاء جسده، خانته، ومن استأمن الله على ذكره، حفظه ورفعه.
فسبحان من أبقى ذكرهم عبرة، وأبطل حيلهم لحكمة لا يعلمها إلا هو، فلعلها أن يعلّم الإنسان أن الحفظ بيد الله، وأن من أراد البقاء فليطلبه في طاعته، لا في حجارةٍ ولا في هندسةٍ ولا في جدرانٍ تظنّها تحميك من القدر.
والعبرة باقية:
إن من سادوا وشادوا وبنوا قد هلكوا، والفناءُ مصيرُ كل حيّ.
بقلم: خولة بنت الأزور
٣ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ
٢٣ نوفمبر ٢٠٢٥ م
أسنة_الضياء
@AsennatAdiyaa










