رسائل من يناير

يناير

تتعالى في كل يناير أصوات هنا وهناك في شهر يناير، أصوات يملؤها الحقد، ويكسوها رداء الجاهلية، وقد سُلَّ سيفها في وجه وحدة الصف، لا تريد إصلاحًا ولا نصحًا، وإنما تسعى إلى هدم البنيان، وإعلاء كلمة الشيطان.
أصوات تُعيد إلى الأذهان مشاهد الأوس والخزرج قبل أن يؤلف الإسلام بين قلوبهم، فتستنطق أهل الحكمة ليصرخوا بأعلى صوت: كفّوا!! مذكّرين بنداء النبي الكريم ﷺ:
«أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ اتركوها فإنها منتنة».

وفي يناير، اتخذ بعض الأمازيغ هذا الشهر عيدًا لهم، يحتفلون برأس السنة الأمازيغية، ويمجّدون فيه كل ما له صلة بالأمازيغ، حتى وإن كان مرتبطًا بحضارة وثنية استعبدها الرومان قرونًا من الزمن. ومع هذه الممارسات تتصاعد خطابات الكراهية بين العرب والأمازيغ، فيرفع خطاب التفاضل العرقي، ويستعلي كل فريق بأصله، ويغيب ميزان الإسلام الذي لا يعترف إلا ميزان التقوى، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.

ومن هذا الواقع المؤلم أرفع قلمي لأكتب بضع رسائل، لا للطعن في قوم ولا في عِرق، وإنما لبيان ما ينبغي أن يكون عليه المسلم الموحد لله رب العالمين.

الرسالة الأولى: لِمَ التمجيد للشرك والوثنية؟

يناير اسم اشتقّه الرومان من إلههم الوثني the nuarius أي ينايريس، ربّ البدايات والنهايات، وربّ بوابات السماء، ذو الرأسين في معتقدهم، وقد ارتبط هذا الشهر عندهم بطقوس وأساطير وخرافات وثنية واضحة المعالم.

قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله:
“العاقل إذا بحث وقرأ في الكتب وآثار التاريخ، تبيّن له أن يناير خرافة وثنية رومانية، ورثتها دول المغرب العربي باسم موروث ثقافي وحضاري، الحق أقول إن شبابنا المتعلّم كسول عن المطالعة، والمطالعة نصف العلم أو ثلثاه”

وهنا يبرز سؤال جوهري لا مهرب منه:

كيف لقومٍ أبدلهم الله بعزّ الإسلام، وعدله، ونوره، بعدما كانوا يعيشون في ظلمات الجهل والوثنية وهيمنة الرومان، أن يُعيدوا تمجيد رموز الشرك، ويحتفوا بطقوس وشخصيات وثنية تحت مسمّى الموروث الحضاري؟

والأصل الشرعي المعلوم أن المسلم يُبغض كل ما يذكّره بالشرك، ويتبرأ منه غير آسف عليه.
قال رسول الله ﷺ:
«ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار».

فمن ذاق حلاوة الإيمان كره الكفر، وكره كل ما يذكّره به، واستحال أن يخالط قلبه حبٌّ للقصص، أو الأزمنة، أو الرموز المرتبطة بالشرك بالله، كما يستحيل عليه أن يرضى بالقذف في النار.
ومن شدة كراهته لحال الشرك يتساوى عنده هذا الكره مع كره الإلقاء في النار.

ثم يأتي بعد ذلك من ينتسب إلى الإسلام، فيُمجّد تلك الأحوال، ويحتفي بها، غير مبالٍ بشرف الإيمان ولا بعزّة الإسلام.
فإلى متى الغفلة؟

الرسالة الثانية: هذه أمجادنا!

تتعالى في المقابل صيحات انفصالية تُحاول تسويق فكرة الصدام بين الأمازيغ والإسلام، وتُصوّر الإسلام على أنه غزو، وتُقدّم الأمازيغ باعتبارهم ضحايا هذا الغزو.
وهذه الدعوى المجرمة ليست إلا صدى لخطاب استعماري أوروبي قديم، تلقّفه أصحاب القلوب المريضة، والمندسون في جسد الأمة، وسعوا إلى غرسه في الوعي الجمعي على أنه حقيقة تاريخية.

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الأمازيغ من أكثر الشعوب قوة وصلابة، ورغبة في التحرر من القيود، وما إن دخلوا الإسلام ومازج الإيمان قلوبهم، حتى تحوّلوا إلى قوة عظيمة أثّرت في مسار الأمة الإسلامية تأثيرًا بالغًا. فكانوا فاتحين للبلدان، وحماةً لها، وظهيرًا متينًا للإسلام في شمال إفريقيا، وجنوب أوروبا، والصحراء الإفريقية الكبرى.

هذا طارق بن زياد، القائد الأمازيغي الفاتح، ينطلق بجيشٍ غالبيته من الأمازيغ ليعبر البحر نحو الجزيرة الإيبيرية، ويُعلن فتح الأندلس. وقد قال عنهم أحد قادة العدو:
«جند لا أدري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء».
وقال آخر واصفًا حالهم:
«رهبان الليل، فرسان النهار».
ويقول الذهبي رحمه الله في تاريخ الإسلام:
«وكان أكثر جنود موسى بن نصير البربر، وهم قوم موصوفون بالشهامة والشجاعة، وفيهم صدق ووفاء، ولهم همم عالية».

لم يقف دور الأمازيغ عند الفتح، بل امتد إلى حماية هذا الإرث العظيم من السقوط حين عصفت بالأندلس فتن ملوك الطوائف، فكان القائد الأمازيغي الكبير يوسف بن تاشفين الذي وحّد الصف، وأخّر سقوط الأندلس قرونًا من الزمن.
وقبل ذلك قامت دولة المرابطين الأمازيغية، بدعوتها الإصلاحية العظيمة، على رأسها الشيخ عبد الله بن ياسين، وأبو بكر اللمتوني، الذين قدّما نموذجًا فريدًا للمسلم الموحّد المعتز بدينه، المنتصر لعقيدته.

وامتدت آثار الأمازيغ حتى القدس، حيث أسكن صلاح الدين الأيوبي ثلةً منهم عند الزاوية الجنوبية الغربية للحرم القدسي، ومن هناك عُرفت حارة المغاربة، وحين سُئل عن ذلك قال:
«أسكنت هناك من يثبتون في البر ويبطشون في البحر، من أستأمنهم على هذا المسجد العظيم وهذه المدينة».

وهكذا كان الإسلام هو الرابط الجامع، الذي التف حوله الأمازيغ، واتحدوا تحت رايته مع العرب، لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى.

قال الشيخ ابن باديس رحمه الله:
“إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كوَّنت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا أمه الجزائر وأبوه الإسلام، وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله؛ وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم، فأي قوة بعد هذا يقول عاقلٌ تستطيع أن تفرقهم؟ لولا الظنون الكواذب والأماني الخوادع، يا عجبا! لم يفترقوا وهم الأقوياء؛ فكيف يفترقون وغيرهم القوي؟ كلا والله بل لا تزيدهم كل محاولة للتفريق بينهم إلا شدة في اتحادهم وقوة لرابطتهم”.

الرسالة الثالثة: لا صدام مع اللغة العربية

قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾
فاختلاف الألسن آية من آيات الله، ولم يكن يومًا سببًا للصراع، ووجود اللغة الأمازيغية إلى جانب العربية فهذا من اختلاف الألسن، لا ينبغي أن يكون ذريعة لتمزيق الصف.

وتبقى اللغة العربية أشرف اللغات، لا لأنها لغة العرب، بل لأنها لغة القرآن، ولغة الوحي، ولغة أهل الجنة، وستظل رائدة لا تنازعها لغة أخرى بقدر الله.

ختامًا

نسأل الله أن يوحّد صفوف المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تحت راية التوحيد والتقوى، فلا فضل لعربي ولا عجمي، ولا أبيض ولا أسود، إلا بالتقوى.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة