يستطيع الفرار من صديقه بإغلاق هاتفه، والهروب من ضجيج العالم المخيف بالانزواء في بيته، والفرار من عائلته بالتخفي في غرفته، وكل ذلك حين تدعو الحاجة.
ها هو الآن يتنفس الصعداء، أغلق باب غرفته بإحكام، وهو على يقينٍ بأن لا أحد سيقطع عليه عزلته؛ فقد أخذ كل الاحتياطات اللازمة، وأحكم غلق نافذته جيدًا؛ منعًا لوصول أي صوت يربطه بالعالم الخارجي.
الباب مغلق، والنافذة مغلقة، الصمت والهدوء يعمّان المكان. يستطيع الآن أن يشعر بحفيفٍ من الراحة يتسلّل إليه، ولكن ما إن التفت قليلًا حتى اصطدم بشيءٍ أرسل قشعريرةً في جسده… لا، لا؛ هذا ليس شيئًا، إنها نفسه. ظنّ أنه فرّ من كل شيء!
أهذا سببٌ كافٍ ليبعث في داخله الاطمئنان؟
نفسه التي تحوي عقلًا لا يهدأ لحظة، وتحمل في جمجمته الكثير من الأشياء المعقّدة التي يقف أمامها ساهمًا، يحمل في يده علامة استفهامٍ كبيرة.
وهي نفسه التي تحوي قلبًا صغيرًا، لكن فيه عالمٌ كبير، عالمٌ لا يتّسع لهذا العالم الخارجي، هكذا يردّد دومًا… أم أن الحقيقة أن العالم هو من لا يتّسع له؟
أبعد كل هذا… “نفس” و”راحة” تجتمعان في جملةٍ واحدة؟
ها هي جالسةٌ أمامها، متوجّسةٌ خيفة، تعضّ أنامل الغيظ. إنها هي من فعلت بنفسها هذا، هي من هيّأت لهذه الجلسة.
آه، لو كانت تعلم، لما أحكمت كل أبواب هذه العزلة التي جاءت على عكس المتوقع.
وبينما كانت غارقةً في دوّامة أفكارها، أفاقت على نظرات… أتقول نفسها إنها حزينة لأنها وصلت إلى هذه المرحلة؟ أن تصل إلى السعي للفرار منها، كما يفرّ المرء من حيّةٍ ستلدغه؟ كما نجحت في الفرار من كل شيءٍ أوصلها إلى هنا؟
عيناها ترسلان شراراتِ حزن، وشذراتِ عتاب، وأخرى متوعّدة. لا، لا، هذا ليس وقتها.
ليست مستعدّة لتربّصها هذا مطلقًا.
ما كان عليها أن تنساها من حساباتها، بأن تضعها في قائمة من يجب الفرار منهم.
وإن كانت فعلت، وأخذتها في الاعتبار، فهل كانت ستستطيع فعل ذلك؟
متشكّكة… نعم، متشكّكة.
فهي الآن أمام عدوٍّ ليس بالهيّن، عدوٍّ سلّمت له نفسها على طبقٍ من ذهب.
هي الآن خائفة… خائفة جدًّا، تريد أن تنتزع نفسها من نفسها!
ولم تجد مهربًا، نطقت متألّمة، متوجّعة، خائبة، خائفة، يائسة، وخرج صوتها متهدّجًا مثقَلًا:
“إلى أين يفرّ المرء من نفسه؟”
رددتها كثيرًا، وهي ترى كل الإجابات مبهمة،
رددتها وكأنها تنتظر إجابةً ما…
حتى وصل صدى صوتها إلى قلبها؛ فأتت الإجابة سريعًا، بيقين من يعرف أن الله لا يضيّعه أبدًا:
“إلى ربّه… إلى الله يا فتى”.
تلقتها بصدرٍ منشرح، تلقتها كمن أوشك على الغرق، وكانت هذه قشّته. وشعرت بقوّةٍ تسري في أطرافها؛ فاستطاعت أخيرًا أن تتخلّص ممّن كانت تجلس أمامها وجهًا لوجه، ومضت تأخذ بأسباب الفرار إلى الله.
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾.










