منحة المرض

|

إنَّ المرض، بشتى أنواعه ومستوياته، ضعف أو اشتد، يبقى آيةً من آيات الله، وجندًا من جنوده، يعيد ضبط البوصلة؛ فمتى ما انحرفت أعادها إلى وجهتها الحقيقية ما دام العبد مؤمنًا صابرًا محتسبًا. والحقيقة أننا نتداوى بالمرض لا عنه!

قال رسول الله ﷺ: “يوَدُّ أهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ حينَ يُعطَى أهلُ البلاءِ الثَّوابَ لو أنَّ جُلودَهم كانت قُرِضَت في الدُّنيا بمقاريضَ”.

يوم القيامة يومٌ عجيب، تتغيّر فيه موازين الكون وموازين البشر؛ فإذا بأهل العافية يتمنّون لو أن جلودهم قُرِضت في الدنيا لما يرون من عظيم الثواب والأجر لأهل البلاء. وهذا إن دلَّ فإنما يدل على عِظم الجزاء، وسعة كرم الله بعباده من أهل البلاء.

هذا في الآخرة، أمّا في الدنيا، فقد قال ﷺ:
“ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِهِ… حتى يلقى الله وما عليه خطيئة”

وهذا شأن وديدن الصالحين.

غير أن ذلك لا يعني تمني البلاء أو طلبه، بل يسأل المؤمن ربَّه كشف البلاء، ويتصبّر ويرضى عند وقوعه.

إن المرض مرحلةٌ مفصلية من مراحل حياة الإنسان؛ تشحب فيها الوجوه بعد أن كانت نضرة، وتضعف القوى بعد عافية، وترافقها في الغالب هشاشة نفسية. وتتدافع الأفكار في ذهن المريض:
هل سيكون المرض عارضًا خفيفًا أم داءً ملازمًا؟ هل سأُشفى أم سيطول البلاء؟

وتنعكس هذه الأسئلة على وجوه العائدين إليه؛ فيقرأ حالته من تعابيرهم: هذا يبتسم، فيحمد الله رجاء أن يكون الأمر يسيرًا، وذاك حزين، فيخشى أن يكون البلاء أعظم. وهكذا يبقى في دوّامة من التفكير.

لا يأتِ المرض عبثًا، بل نداء تنبيهٍ، يطرق الجسد ليوقظ القلب. يطفئ وهج القوة، ليذكّرنا بأن ما حسبناه ثباتًا لم يكن إلا نعمة من الخالق وقد تسترد في أي لحظة.

في المرض تصغر الدنيا، ويبهت بريقها، ويقف الإنسان وجهًا لوجه أمام حقيقة ضعفه. تسقط أوهام الخلود، ويهمس الجسد بما غفل عنه العقل والقلب طويلًا: إنك إلى زوال.

وحين يُقعدك المرض، وتثقل عليك الأنفاس، تُبعث في القلب ذاكرة الرحيل، ويصير الفراش محطة انتظار، لا يُسمع فيها إلا خفق الوجل، ولا يُرى فيها إلا هشاشة الإنسان. هناك، حيث لا سند إلا الله، ولا شفاء إلا بإذنه.

﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ یَشۡفِینِ﴾

ثم إذا شاء الرحمن، وأذن للبلاء بالانصراف، عادت العافية للجسد، والنور إلى الوجه، والطمأنينة إلى القلب، لا لأسباب العلاج، بل لأن الله عز وجل قال: كن فيكون. فالإله الشافي يشفي بسبب، وبغير سبب، ليبقى اليقين معلّقًا به وحده.

فسبحان من كسر ليجبر، وأضعف ليرحم، وابتلى ليقرّب عباده إليه، وهو على كل شيء قدير.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة