(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ): جحودٌ على ضفافِ النّهرِ

|

كنتُ أَهُمُّ بفتحِ جردَ المكتبةِ لأبحثَ عن شيءٍ ما، حتى استوقفَني قولَ الشيخِ:

﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾  [الكهف: 35]

فتوقفَت يدي في منتصفِ الطريقِ، وكلمة “ظالم” يترددُ صداها في عقلي. هناك معانٍ تشعر بأنها تناديك، تستوقفك، وبالفعل تقف، ويصمت كلّ شيءٍ من حولك، وتذهب إلى عالمٍ آخر… عالم التّفكر والتّدبر، حتى إنّ جسدك يستجيب لها، فيقف متأملًا، متوجِّلًا.

استجبتُ لندائها، ورحتُ أُشبع نهمي لمعرفة القصة كاملة، وأنا أقول: ما الذي جناه صاحب هذه الجنّة حتى يُوصَف بهذا الوصف؟ وأَخذَ عقلي يعمل عمله في التحليل، مستحضرًا كل ما أعرفه عن هذه الكلمة. فقلت في نفسي: الظلم أي المعصية، ظلمَ نفسه أي أذنب في حقها بعصيان ربه. فازداد فضولي لأعرف ذنب هذا الرجل، فعُدتُ إلى الآيات التي سَبقت.

قال ربي عز وجل: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾  [الكهف: 32]

﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾  [الكهف: 33]

استوقفتني “نا”، ووصفُ المشهد وكأنّك تراه… وصفٌ إعجازي.

قلت في نفسي: جميل، أكرمه الله وأنعمه، بالتأكيد سيشكر الله كثيرًا، فقد أعطاه ما لم يُعطِ للرجل الآخر، وفضَّله في الرزق.

حتى أكملتُ قراءة قول ربي، وازداد فضولي لاكتمال المشهد:

﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾  [الكهف: 34]

“أنا!! 
“أنا” هنا تفيد التّكبر والغرور بالنفس. 
الله يقول: “جعلنا”، وهو يقول: “أنا”. 
ما كانت ردة فعلي هنا إلا قولي: ويحَه! ويحَه! جنى على نفسه. 
وجاء تصديق ظنّي سريعًا:

﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾  [الكهف: 35]

ثمّ؟ 
أدرك ظلمه؟ أقرّ به؟ تاب وأناب؟ 
هكذا تحاورني نفسي.

﴿وَقَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾  [الكهف: 35]

“أبدًا!!” 
يا لفداحة فعلتك يا رجل! 
غَرَّك الاستقرار المادي، ومثالية كل شيء من حولك، حتى بلغ بك الغرور أن ظننتَ الخلود في النّعمة. 
أهو غافل؟! أم أن غروره يجعله يتغافل؟!

هنا قلت في نفسي: هذا هو الجحود والغرور في أبهى صوره، حين قال:

﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: 36]

يُخيَّل إليّ وكأنّه يقول: نجحتُ في الأولى، وسأنجح في الثانية! 
أيّ ثقةٍ هذه بالأسباب؟! وأيّ غرورٍ بالنفس؟! 
واحتقارٌ لأخيه…

حتى هدأ قلبي من انفعاله، ورقَّ عند هذا القول:

﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: 37]
﴿لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: 38]

وأنا أحدّث نفسي: كم يحتاج المرء إلى مثل هذا الصاحب… يذكّره ويزجره. 
وكم هم كثيرون، وعن قولهم غافلون. 
ووقفتُ عند كلمة “أكفرتَ”، وتذكّرتُ أنّ ما أخرج إبليس من الجنّة هو الكِبْر، وظنُّه أنّه خيرٌ من آدم.

يقول الشيخ: من إعجاز الله في كتابه أنّ كلمة “صاحبه” الأولى، الألف فيها صغيرة غير ملتصقة بالصاد، بخلاف الثانية، وهذا دليل على حدوث تشقق وفجوة بينهما، ودليل على الافتراق العقديّ. 
يا سبحان ربي!

﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39]

نعم… التذكير، تذكير هذا الصاحب، يلين قلبي لقوله: “ولا قوة إلا بالله.”

﴿إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: 39]

ومما جاء في التفسير: أنه يُخبِر هذا الرجل الجاحد بأنّ نعمة إيمانه وإسلامه خيرٌ مما يملكه من مالٍ وولد، وأنها النّعمة الحقيقية.

﴿فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ 
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾  [الكهف: 40–41]

أقول هنا: هذا قول عبدٍ عارفٍ بالله، يعرف ربه حقًّا.

وهنا أرى نعمة الله ورحمته متمثلةً في البلاء:


﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾  [الكهف: 42]

أتخيل المشهد… شكله وهو متحسرٌ على ما أنفق فيها من المال والتّعب.

وهنا يبكي القلب:


﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾  [الكهف: 42]

هنا بكى فؤادي كثيرًا من عِظَم القول، والإقرار بالذنب، والعودة للرب.

هنا تأتي الخاتمة، لتُعيد ترتيب المشهد كله، وتضع النقاط على الحروف.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة