هل تريد أن تقي نفسك من مصارع السوء؟

|

هل تريد أن تقي نفسك من مصارع السوء؟ هل تريد أن تقي نفسك وولدك المكروه بكل ما تشمله كلمة المكروه من سوء وضرر؟ ففرج عن المكروبين، وكن من أهل المعروف.

فعن محمد بن عيسى قال: كان عبدالله بن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل الرقة في خان -يعني في فندق- فكان شاب يختلف إليه، ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث، قال: فقدم عبدالله الرقة مرة فلم ير ذلك الشاب، وكان مستعجلًا -أي عبدالله بن المبارك – فخرج في النفير -أي: في الجهاد- فلما قفل من غزوته ورجع إلى الرقة سأل عن الشاب، فقالوا: إنه محبوس لدين ركبه، فقال عبدالله: وكم مبلغ دينه؟ فقالوا: عشرة آلاف درهم، فلم يزل يستقصي حتى دل على صاحب المال فدعا به ليلًا ووزن له عشرة آلاف درهم وحلفه ألَّا يخبر أحدًا ما دام عبدالله حيًّا، وقال: إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس، وأدلج عبدالله -أي: سار في آخر الليل- وأخرج الفتى من الحبس، وقيل له: عبدالله بن المبارك كان هاهنا وكان يذكرك وقد خرج، فخرج الفتى في أثره فلحقه على مرحلتين أو ثلاث من الرقة، فقال عبدالله بن المبارك للفتى: أين كنت؟! لم أرك في الخان! قال: نعم. يا أبا عبدالرحمن، كنت محبوسًا بدين، قال: وكيف كان سبب خلاصك؟! قال: جاء رجل وقضى ديني ولم أعلم به حتى أخرجت من الحبس، فقال له عبدالله: يا فتى، احمد الله على ما وفق لك من قضاء دينك؛ فلم يخبر ذلك الرجل أحدًا إلا بعد موت عبدالله.

  وكان أحد السلف يطوف على نساء الحي وعجائزهم كل يوم، فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن، وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم.

  وهذا سفيان بن عيينة أتاه مسكين يطلب منه حاجة فلم يكن معه شيء ليعطيه الرجل، فبكى سفيان، فقيل: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: أي مصيبة أعظم من أن يؤمل فيك رجل خيرًا فلا يجده عندك.

  وجاء في أخبار الوزراء أن الوزير أبا شجاع جاءه كتاب فيه أن امرأة وأطفالها الأربعة في مكان كذا وكذا لا مال عندهم، ولا عائل لهم، وهم عراة جياع يكاد البرد والجوع يقتلهم، فاستدعى الوزير غلامه، وقال له: اذهب الآن واشترِ لهم ما يصلح حالهم، ثم خلع الوزير ثيابه، وقال: والله، لا لبثتها ولا أكلت حتى تعود فتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم، وبقي في البرد ينتفض جسده حتى رجع إليه الغلام فأخبره أنه أشبعهم وأدفأهم، فقام الوزير ولبس ثيابه، ثم حمد الله على ما يسَّره على يديه لتلك المرأة المسكينة وأولادها الأربعة. انظروا كيف يسمو بعض الناس بعمله فوق كل ما تعارف عليه الناس، فيعلو حتى يبلغ السماء فضلًا وخيرًا.  

وإن دروب الخير- أيها المسلمون- كثيرة، وحوائج الناس متنوعة، إطعام جائعٍ، وكسوة عارٍ، عيادة مريضٍ، وتعليم جاهل، وإنظار معسر، وإعانة عاجز، وإسعاف منقطع… تطرد عن أخيك همًّا، وتزيل عنه غمًّا.. تكفل يتيمًا، وتواسي أرملة.. تكرم عزيز قومٍ ذلَّ، وتشكر على الإحسان، وتغفر الإساءة.. تسعى في شفاعة حسنة تفك بها أسيرًا، وتحقن بها دمًا، وتجرُّ بها معروفًا وإحسانًا، فإن كنت لا تملك هذا ولا هذا فادفع بكلمةٍ طيبةٍ، وإلا فكُفَّ أذاك عن الناس؛ فعن أبي ذرٍّ رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((ليس مِن نَفْسِ ابنِ آدَمَ إلَّا عليها صدقةٌ في كلِّ يومٍ طلَعَت فيه الشَّمسُ))، قيل: يا رسولَ اللهِ، ومِن أينَ لنا صدقةٌ نتصدَّقُ بها؟ فقال: ((إنَّ أبوابَ الخيرِ لكثيرةٌ: التَّسبيحُ، والتَّحميدُ، والتَّكبيرُ، والتَّهليلُ، والأمرُ بالمعروفِ، والنَّهيُ عنِ المنكَرِ، وتُميطُ الأذى عن الطَّريقِ، وتُسمِعُ الأصَمَّ، وتَهدي الأعمى، وتدُلُّ المستدِلَّ على حاجتِه، وتسعى بشدَّةِ ساقَيْكَ مع اللَّهفانِ المستغيثِ، وتحمِلُ بشدَّةِ ذراعَيْكَ مع الضَّعيفِ، فهذا كلُّه صدقةٌ منك على نفسِك))؛ (صحيح ابن حبان).

  وعنه أيضًا قال: قلتُ: يا رسول الله، دُلَّني على عملٍ إذا عمِلَ به العبدُ دخل الجنة، قال: ((يؤمنُ بالله))، قلتُ: يا رسول الله، إن مع الإيمان عملًا؟ قال: ((يرضَخُ مما رزَقَه الله))؛ يعني: يتصدَّق، قلتُ: وإن كان مُعدِمًا لا شيء له؟ قال: ((يقول معروفًا بلِسانه))، قلتُ: فإن كان عيِيًّا لا يُبلِغُ عنه لسانُه؟ قال: ((فيُعينُ مغلوبًا))، قلتُ: فإن كان ضَعيفًا لا قدرةَ له؟ قال: ((فليَصنَع لأخرقَ))، قلتُ: فإن كان أخرقَ؟- يعني: لا يُحسِنُ صنعةً- فالتفتَ إليَّ فقال: ((ما تريدُ أن تدَعَ في صاحبِك شيئًا من الخير، فليَدَعِ الناسَ من أذاه))، قلتُ: يا رسول الله، إنَّ هذا كلَّه ليسير، قال: ((والذي نفسي بيده، ما من عبدٍ يعملُ بخصلةٍ منها يريدُ بها ما عندَ الله إلا أخذَت بيدِه يومَ القيامة حتى يدخل الجنة))؛ رواه ابن حبان، ولبعض ألفاظه شواهد في الصحيحين.

  اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، اللهم أعِنَّا على ذكرك، اللهم إنا نسألك فواتح الخير وخواتمه وجوامعه، اللهم اجعلنا مفاتيحَ للخير مغاليقَ للشرِّ، آمين آمين، وأقم الصلاة.

المصدر: محمد سويدان

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة