“نصرة الرَّسول ﷺ واجبة على المسلمين بالمفهوم العام للنصرة، فالنصرة إحدى مقتضيات اتِّباعه وحبِّه وتقديمه على النَّفس والمال والولد، كما قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ: «لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال له عمر: فإنَّه الآن -والله- لأنت أحبَّ إليَّ من نفسي، فقال النبي ﷺ: «الآن يا عمر».
ومن مقتضيات محبته: نصرتُه عليه الصلاة والسلام، وهو ما كان الصحابة يترجمونه بأفعالهم.
ومن الشَّواهد على وجوب نصرة النبي ﷺ: أنَّ الله سبحانه وتعالى أخذ الميثاق على كل الأنبياء من قبل محمَّد ﷺ على نصرته، وقيل: أخذ الأنبياءُ المواثيق على أممِهم، ولا تضادَّ بين القولين، يقول تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81]، يقول قتادة: “هذا ميثاقٌ أخذه الله على النبيين أن يصدِّق بعضهم بعضًا، وأن يبلِّغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتابَ الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم فيما بلغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ويصدقوه وينصروه”.
فالواجب هو الإيمان بالنبي ﷺ أولًا، وكل من آمن به ينصره، يقول الرازي: “أمَّا قوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} فالمعنى ظاهر، وذلك لأنَّه تعالى أوجب الإيمان به أولًا، ثم الاشتغال بنصرته ثانيًا، واللام في {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} لام القسم، كأنه قيل: والله لتؤمنن به”.
وقد علَّق الله سبحانه وتعالى الفلاح بنصرته، فقال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، يقول ابن عباس رضي الله عنه: “{وَعَزَّرُوهُ} يقول: حموه ووقَّروه”، ويقول مجاهد: “{ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ}؛ عزروه: سدَّدوا أمره، وأعانوا رسوله”، ويقول الطبري رحمه الله: “وقوله: {نَصَرُوهُ}، يقول: وأعانوه على أعداء الله وأعدائه، بجهادهم ونصب الحرب لهم، {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} يعني القرآن والإسلام، {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصف بها -جل ثناؤه- أتباع محمد ﷺ هم المنجحون المدركون ما طلبوا ورجوا بفعلهم ذلك”.
فالله سبحانه وتعالى قد علق الفلاح بنصرة رسوله، بل قد جعل الله نصرتَه من علامات صدق إيمان العبد، قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8].
ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8، 9]، يقول قتادة: “{وَيُعَزِّرُوهُ} قال: ينصروه، {وَيُوَقِّرُوهُ} أي: ليعظموه”([27])، ويقول ابن تيمية رحمه الله وهو يبين تكريم الله لنبيه: “ومن ذلك: أنَّ الله أمر بتعزيره وتوقيره فقال: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ}، والتعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتَّوقير: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يُعامل من التَّشريف والتَّكريم والتَّعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار”([28]).
ومما يدلُّ على ذلك: كل الأدلة الدالة على وجوب نصرة المؤمنين، من مثل قوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال: 72]، والنبي ﷺ أولى بالنصرة.
ومن ذلك قوله ﷺ: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا؛ المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره» ، يقول النووي رحمه الله: “وأمَّا «لا يخذله» فقال العلماء: الخذل ترك الإعانة والنَّصر”.
ومَنْ أكثر استحقاقًا للنصرة من خاتم الأنبياء والرسل ﷺ؟! ونصرته عليه الصلاة والسلام ليس لحاجته هو، وإنما لإكمال إيماننا نحن بنصرته، فمتى ما وُجِد العدوان عليه ﷺ هبَّ المسلمون لنصرة دينه وسنته سيرته، فمن فعل ذلك دلَّ على وجود الإيمان في قلبه، وعلى حبه لرسوله ﷺ.










