بين رمضانهم ورمضاننا
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :”أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ”.’¹’
“مرحبا بمطهرنا من الذنوب”
وبهذا الترحيب كان يستقبل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهر رمضان المبارك.
موسمُ طاعة وشهرُ بركة ورفعة، شهر الرحمات والمغفرة، شهر المسابقة لله عز وجل، يكفي في الصيام قول الله عز وجل: “فإنه لي”.
أدرك السلف كل ذلك وأكثر، وعلموا أن للسبق والوصول لله عز وجل تخطيطًا دقيقًا وعملًا دؤوبًا وتحينًا للفرص التي تمثل قفزات في صحائف البر، التي من بينها بالطبع مواسم الطاعات، وعلى رأسها رمضان.
لذلك نجد أن الانشغال برمضان لم يكن يقتصر على الشهر المبارك فقط، بل كانوا يستصحبونه طوال العام، فيظلون ستة أشهر يدعون بقبول رمضانهم بعد انتهاءه، والست الأخرى يدعون الله عز وجل ان يبلغهم رمضان التالي، كيف لا وقد أخبرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، أن رجلًا سبق رجل في الجنة برمضان واحد فقط صامه أكثر من صاحبه؟
ففي صحيح ابن ماجه عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: “أنَّ رَجُلَيْنِ من بَلِيٍّ قَدِما على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وكان إِسْلامُهُما جَمِيعًا فكانَ أحدُهُما أَشَدَّ اجْتِهادًا مِنَ الآخَرِ فَغَزَا المُجْتَهِدُ مِنْهُما فَاسْتُشْهِدَ ثُمَّ مَكَثَ الآخَرُ بعدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ قال طلحةُ فَرأيْتُ في المنامِ بَيْنا أنا عندَ بابِ الجنةِ إذا أنا بِهما فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الجنةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الآخِرَ مِنْهُما ثُمَّ خرجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ ثُمَّ رجعَ إِلَيَّ فقال ارْجِعْ فإنَّكَ لمْ يَأْنِ لكَ بَعْدُ فَأصبحَ طلحةُ يُحَدِّثُ بهِ الناسَ فَعَجِبُوا لِذلكَ فَبَلَغَ ذلكَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وحَدَّثُوهُ الحَدِيثَ فقال من أَيِّ ذلكَ تَعْجَبُونَ فَقَالوا يا رسولَ اللهِ هذا كان أَشَدَّ الرجلَيْنِ اجْتِهادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، ودخلَ هذا الآخِرُ الجنةَ قبلَهُ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَليسَ قد مَكَثَ هذا بعدَهُ سَنَةً قالوا بلى قال وأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصامَ وصلَّى كذا وكذا من سَجْدَةٍ في السَّنَةِ قالوا بلى قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فما بينَهُما أَبْعَدُ مِمَّا بين السَّماءِ والأرضِ”.
سلفنا الصالح لم يكونوا ينتظرون دخول رمضان حتى يبدأوا بالطاعة، بل كانوا يحرصون على تهيئة قلوبهم وأنفسهم والاستزادة من العبادة والتجهز لرمضان منذ دخول رجب؛ فقد قال أبو بكر البلخي رحمه الله: “شهر رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد”، فمن لم يَزرَع في رجب، ولم يَسقِ في شعبان؛ فكيف يحصد عبادة وخشية وتقوى في رمضان؟ وهذا يدل على حرصهم على الشهر الكريم.
- من أحوال السلف في رمضان
نبدأ من حال إمامنا المصطفى ونبينا المجتبى صلى الله عليه وسلم، يقول ابن القيم رحمه الله: “وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان: الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريلُ أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيـه الصدقة، والإحسان، وتلاوة القرآن، والصلاة، والذكر، والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة ما لا يخص غيره به من الشهور”.
وكان سفيان الثوري رحمه الله إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات، وأقبل على قراءة القرآن.
وكان محمد بن إسماعيل البخاري -صاحب الصحيح- يختم في رمضان في النهار كلَّ يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كلَّ ثلاثَ ليال بختمة.
وكان سعيد بن جبير يختم القرآن في كل ليلتين.
وكان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضرَ المصحفَ وجمع إليه أصحابه.
وكان الوليد بن عبد الملك يختم في كل ثلاثٍ، وختم في رمضان سبع عشرة ختمة.
وقال أبو عوانة: شهدتُ قتادة يدرِّس القرآن في رمضان.
وكان قتادة يختم القرآن في سبع، -أي كل سبع ليالي يقرأ القرآن مرة-، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاثٍ، فإذا جاء العشر الأواخر ختم كل ليلةٍ.
وقال الربيع بن سليمان -تلميذ الشافعي رحمه الله-: “كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة -يعني في كل ليلة يختمه مرتين- وفي كل شهر -أي في غير رمضان- ثلاثين ختمة”.
وكان وكيع بن الجراح يقرأ في رمضان في الليل ختمةً وثلثًا، ويصلي اثنتي عشرة ركعة من الضحى، ويصلي من الظهر إلى العصر.
‘¹’ سنن النسائي










