احتفالات المدارس والتخرج… بين الفرح المشروع والتكلّف المذموم
ليس الإسلام دينًا يمنع الفرح، ولا ينهى عن السرور بنجاح الأبناء والاجتهاد في تعليمهم، بل أباح الفرح المشروع، وربط النعم بشكر الله تعالى.
قال سبحانه:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
وكان النبي ﷺ يُظهر محبته لأهله، ويثني على من يستحق الثناء، فقال عن الحسن بن علي رضي الله عنهما:
«إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».
فالفرح بالنجاح، وتشجيع الأبناء، وإدخال السرور عليهم، أمور مشروعة إذا بقيت في حدود الاعتدال، وكانت باعثةً على شكر الله، لا على التفاخر والتكلّف.
أما الذي يدعو إلى المراجعة اليوم، فهو ما آلت إليه كثير من حفلات التخرج والاحتفالات المدرسية من مبالغةٍ في المظاهر، وإرهاقٍ للأسر، وربطٍ لقيمة النجاح بما يصاحبه من حفلات، وصور، وزينة، حتى غاب المقصود، وبقيت القشور.
أولًا: لا تربطوا قيمة الإنجاز بالمظاهر
من أخطر الأخطاء التربوية أن ينشأ الأبناء وهم يعتقدون أن قيمة النجاح تُقاس بحجم الاحتفال، أو ثمن اللباس، أو كثرة الهدايا، لا بما بذلوه من جهد، وما حصلوه من علم.
فالنجاح الحقيقي ثمرة الاجتهاد، أما الاحتفال فوسيلة، ولا ينبغي أن يتحول إلى غاية.
ولهذا كان هدي النبي ﷺ إذا جاءه ما يسره أن يتوجه أولًا إلى الله شكرًا؛ فقد كان إذا أتاه أمرٌ يسره خرَّ ساجدًا شكرًا لله.
فما أحوج أبناءنا إلى أن يتعلموا أن أول مظاهر الفرح هو شكر المنعم، لا استعراض النعمة.
ثانيًا: ليس كل مناسبة تحتاج إلى احتفال كبير
ليس كل انتقالٍ من صف إلى آخر إنجازًا استثنائيًا، ولا كل شهادةٍ تستوجب قاعاتٍ فاخرة، وتكاليف باهظة، وتصويرًا، ومظاهر تفوق قيمة المناسبة نفسها.
بل من الحكمة أن تُجعل الاحتفالات المميزة للإنجازات المميزة؛ حتى يبقى للتميز معناه، ويظل الابن يتطلع إلى مراتب أعلى من النجاح.
أما إذا اعتاد الاحتفال بكل مرحلة، فقد يضعف في نفسه الشعور بقيمة الإنجاز، وينتظر مظاهر التكريم أكثر مما ينتظر ثمرة العلم.

ثالثًا: التربية على القناعة لا على الترف
من أعظم مقاصد التربية الإسلامية بناء شخصية قوية تعرف قيمة النعمة، ولا تتعلق بالكماليات.
فالترف إذا أصبح أسلوب حياة أورث ضعفًا في تحمل المشاق، وربّى النفوس على التعلق بالمظاهر أكثر من تعلقها بالحقائق.
ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:
«اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم».
وكان السلف يكرهون تعويد الأبناء على التوسع في أسباب الترف؛ لأن النفوس إذا ألفت النعيم ضعفت عن الصبر والمجاهدة.
وليس المقصود حرمان الأبناء من المباح، وإنما تربيتهم على الاعتدال؛ حتى لا تصبح أفراحهم مرتبطة دائمًا بالإسراف والمباهاة.
رابعًا: لا تجعلوا الفرح سببًا لإحراج الناس
من المؤسف أن بعض المدارس تجعل حفلات التخرج بابًا للمنافسة في المظاهر، فتفرض رسومًا مرتفعة، أو لباسًا خاصًا، أو متطلبات تثقل كاهل أولياء الأمور.
وربما وقف بعض الآباء عاجزًا عن تلبية تلك المطالب، أو شعر بعض الطلاب بالحزن؛ لأن ظروف أسرهم لا تسمح لهم بمجاراة غيرهم.
وهذا يخالف مقاصد الشريعة في رفع الحرج، ومراعاة أحوال الناس، والتيسير عليهم.
رسالة إلى إدارات المدارس ومُلّاكها
اتقوا الله في أولياء الأمور، واجعلوا المدارس مناراتٍ للعلم والتربية، لا ميادين للمباهاة والمنافسة في المظاهر.
وراعوا تفاوت أحوال الأسر، فلا تُحمِّلوهم ما لا يطيقون، ولا تجعلوا أبناء الفقراء يشعرون بالنقص بسبب أمورٍ لا تزيدهم علمًا ولا خلقًا.
واجعلوا الاحتفال وسيلةً لغرس معاني الشكر والاجتهاد، وتعظيم العلم، وحب التفوق، لا وسيلةً لاستهلاك الأموال وإشغال الناس بما لا ينفع.
رسالة إلى الآباء والأمهات
ازرعوا في قلوب أبنائكم أن قيمة الإنسان فيما يحمله من إيمان، وعلم، وخلق، لا فيما يلبسه في يوم التخرج، ولا في حجم الحفل الذي يُقام له.
وعلّموهم أن النجاح نعمة تستوجب شكر الله، وأن كل مرحلة من مراحل الحياة هي بداية لما بعدها، لا نهاية الطريق.
فالأمة لا تحتاج إلى جيلٍ يجيد الاحتفال بالنجاح، بقدر ما تحتاج إلى جيلٍ يحسن صناعة النجاح، ويحمل العلم بأمانة، ويستعمله في طاعة الله ونفع الناس.
ربّوا أبناءكم على قيمة الإنجاز، لا على كثرة الاحتفال، وعلى شكر النعمة، لا على استعراضها؛ فإن البركة في البساطة، والخير في الاعتدال، وأبقى الأفراح ما كان موصولًا بطاعة الله وشكره.
ليس الخطر أن يفرح أبناؤنا؛ فالفرح نعمة، وإنما الخطر أن نربيهم على أن قيمة الإنسان فيما يُقام له، لا فيما يقدمه، وفيما يلبسه، لا فيما يحمله من علمٍ وخلق.
إن المدارس تُخرِّج طلابًا، لكن التربية تُخرِّج رجالًا ونساءً يحملون رسالة. فإذا عظم في نفوس أبنائنا معنى العلم، هانت عليهم المظاهر، وإذا عظم شأن المظاهر، صغر في نفوسهم معنى العلم.
فلنجعل يوم التخرج محطة شكرٍ لله، وبدايةً لمسيرةٍ جديدة من الجد والاجتهاد، لا موسمًا للإسراف والتكلف والتفاخر.
قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
فكأن أعظم ما يُقال بعد كل شهادة: اللهم زدنا علمًا، وعملًا، وإخلاصًا، وثباتًا.
للمزيد:
الحصون المهددة بمناهج التعليم المستوردة
دور المرأة المسلمة










