الطعام في ميزان الإسلام

|

أينما وجهت وجهك في وسائل التواصل المختلفة، في القنوات الفضائية أو أي وسيلة مرئية أو مسموعة أو مقروءة، تجدها تضج بصور الطعام ووصفات الطعام وكل ما يتعلق بالطعام، تشعر وكأن الطعام أصبح عند شريحة كبيرة من المسلمين غاية وليس وسيلة معينة على الاستمرار في العيش وعبادة الله عز وجل،حتى إن “الفود بلوجرز” أصبح وظيفة من لا وظيفة له، ويا لها من وظيفة مخزية!

فصرنا الآن في أمس الحاجة لإعادة وضع الأمر في نصابه بناء على ميزان الشرع الحكيم الذي لم يغفل أي تفصيلة في حياة المسلم إلا ووجهه فيها بأفضل ما ينفعه ويصلحه.

والبداية هنا مع هذا الحديث البديع المهيب، فعن سيدنا المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِه”.

يُشبِّهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم البطنَ بما تَحفَظُه مِن طعامٍ وشرابٍ، بمِثلِ الوِعاءِ الَّذي يُتَّخَذُ لحِفظِ الطَّعامِ والشَّرابِ، وأنَّ الإنسانَ يَحرِصُ على امتِلائِه كما يَحرِصُ على امتِلاءِ أوعِيَتِه وأوانيه، ووصَفَه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بالشَّرِّ؛ لأنَّه إذا ما امتلَأ أفْضَى إلى الفَسادِ في دِينِ المرءِ ودُنياه، ثمَّ يُرشِدُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ويُبيِّنُ كيف للإنسانِ أنْ يَملَأَه، فيقولُ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “بِحَسْبِ ابنِ آدمَ “لُقَيماتٌ” جمْع لُقَيمةٍ، وهي تَصغيرُ لُقْمة، أي: يَكفيه الأخذُ والتَّناوُلُ مِن الطَّعامِ بقَدْرِ لُقَيماتٍ أو أُكيلاتٍ قَليلةٍ “يُقِمْنَ صُلبَه”، أي: ظَهْرَه، والمرادُ: أنَّه يتَزوَّدُ ويأكُلُ بقَدْرِ ما يتَقوَّى به، لا إلى أن يَشبَعَ، “فإنْ كان لا مَحالةَ”، أي: فإذا كان لا بُدَّ له أن يَستزيدَ مِن الطَّعامِ ويتَجاوَزَ فيه فوقَ هذا القَدْرِ، “فثُلثٌ لِطَعامِه وثلثٌ لشَرابِه وثلثٌ لنَفَسِه”.

وفي صحيح البخاري:
كانَ ابنُ عُمَرَ لا يَأْكُلُ حتَّى يُؤْتَى بمِسْكِينٍ يَأْكُلُ معهُ، فأدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ معهُ، فأكَلَ كَثِيرًا، فَقالَ: يا نَافِعُ، لا تُدْخِلْ هذا عَلَيَّ؛ سَمِعْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: “المُؤْمِنُ يَأْكُلُ في مِعًى واحِدٍ، والكَافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعَاءٍ”.
وهذا مصداقًا لقول الله عز وجل:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.

وفي قول ابن عمر رضي الله عنهما: “يا نَافِعُ، لا تُدْخِلْ هذا عليَّ مرةً أُخرى”؛ كراهة مؤاكلة هذا الرجل لِمَا فيه مِن الاتِّصافِ بصِفةِ الكافرِ، وهي كَثرةُ الأكلِ، ونَفْسُ المؤمنِ تَنفِرُ مِمَّنْ هو مُتَّصِفٌ بصِفةِ الكافرِ، ثُمَّ استَدلَّ لذلك بقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «المؤمنُ يَأكُلُ في مِعًى واحدٍ، والكافِرُ يَأكُلُ في سَبْعةِ أَمْعاءٍ»، والمراد: أنَّ المؤمنَ يَأكُلُ بأدَبِ الشَّرعِ، فيَأكُلُ في مِعًى واحدٍ، ويُبارَكُ له في القَليلِ، والكافِرَ يَأكُلُ بمُقْتَضَى الشَّهوةِ والشَّرَهِ والنَّهَمِ، فيَأكُلُ في سَبْعةِ أمعاءٍ، حتَّى يَملأَ طَبقاتِ أمعائِه كُلِّها، وهذا تَمثيلٌ لرِضَا المؤمنِ بِاليَسيرِ مِنَ الدُّنيا، وحِرْصِ الكافرِ على الكَثيرِ مِنها، وهو إعلامٌ بأنَّ هَمَّ المُؤمِنِ مَرضاةُ ربِّه تعالَى لا التَّوسُّعُ في المأْكولِ؛ فيَكْفيهِ القليلُ، وعكْسُه الكافرُ؛ فهَمُّه الاستمتاعُ بالطَّيِّباتِ في حَياتِه الدُّنيا، فيَأكُلُ بنَهَمٍ وشَراهةٍ ولا يَكتفي؛ فكأنَّه يَأكُلُ في سَبعةِ أمعاءٍ مع عدَمِ وُجودِ البركةِ. وقد حمل ابنُ عُمَرَ الحديثَ على ظاهِرِه، وكَرِهَ دُخولَه عليه لَمَّا رآه متَّصِفًا بصفةٍ وُصِفَ بها الكافِرُ.

الطعام في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم:
هذه السيدة عائشة رضي الله عنها تخبرنا حين قالت لسيدنا عروة بن الزبير رضي اللَّه عنهما: “ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال؛ ثلاثةُ أهلَّة في شهرين، وما أُوقِدَت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نارٌ، فقلت: يا خالة، ما كان يُعِيشُكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كانت لهم منائح (هدايا)، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا”.

وقالت رضي الله عنها: “ما شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ، مِن طَعامِ البُرِّ ثَلاثَ لَيالٍ تِباعًا، حتَّى قُبِضَ”.

“ما شبِع آلُ محمَّدٍ من خُبزِ الشَّعيرِ يومَيْن مُتتابعَيْن حتَّى قُبِض رسولُ اللهِ”.

هذا هو الطعام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي بيوته، لو تأملنا هذا الحال؛ لعلمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكنه العيش بأفضل من ذلك، لكن ذلك كان زهدًا في الدنيا ثم تربية للأمة من بعده. وليس الأمر كما لو أنها دعوة للجوع؛ وإنما هي دعوة لمعرفة قدر الطعام كشهوة دنيوية، الاقتصاد فيها خير من التوسع.

بعض أقوال السلف في الشبع وكثرة الأكل:

  • قال عمر رضي الله عنه: “إياكم والبطنة؛ فإنها ثقل في الحياة، ونتن في الممات”.
  • قال لقمان لابنه: “يا بني، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة”.
  • قال عبدالله الداري: “إن الشبع يقسي القلب ويفتر البدن”.

•قال سفيان الثوري: “إياكم والبطنة؛ فإنها تقسي القلب”.

  • قال سهل بن عبدالله ابن يونس التستري: “البطنة أصل الغفلة”.
  • فال الإمام الخطابي البستي: “من يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجته؛ فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مدنفة، وأسقام متلفة، وليس من علم كمن جهل، ولا من جرب وامتحن كمن ماد وخاطر”.
  • قال الشافعي: “الشبع يثقل البدن، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة”.
  • ذكر ابن عبدالبر وغيره أن عمر رضي الله عنه خطب يومًا فقال: “إياكم والبطنة؛ فإنها مكسلة عن الصلاة، مؤذية للجسم”.
  • قال الإمام ابن عقيل رحمه الله: “قال رجل لحكيم: كم آكل؟ قال: دون الشبع”.
  • قال الفضيل بن عياض: “ثنتان تقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل”.
  • عن مالك بن دينار قال: “لا ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همِّه، وأن تكون شهوته هي الغالبة عليه”.
  • قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: “من وفّى نفسه حظها من عيش جسده بالشهوات الحسية كالطعام والشراب فسد قلبه وقسى، وجلب له ذلك الغفلة وكثرة النوم، فنقص حظُّ روحه وقلبه من طعام المناجاة، فخسر خسرانًا مبينًا”.

المعدة بيت الداء والحمية أصل الدواء:
هذا أصل في الطب يؤيده حديث النبي صلى الله عليه وسلم السالف ذكره، وأصبح معروفًا عند كل أحد خطورة الإفراط في تناول الطعام وما يصاحبه من أمراض مزمنة قد تؤدي إلى الوفاة حقيقة لا مجازا. فضلا عن تأثير كثرة الأكل على الصحة النفسية، وما يسببه من أمراض متعلقة بهذا الجانب.

والإسلام إذ هو دين وقاية وحماية، وهو منهج حياة ينظم حياة المسلم بشكل كامل دون إغفال أي أمر ولو كان بسيطًا، لم يترك هذا الجانب، بل وجهنا فأحسن التوجيه.

نمط الطعام وتقلبات العصر:
لا يخفى على ذي عينين حال العصر الذي نحياه وتقلباته المفجعة على كل الأصعدة، ومن بينها الوضع الاقتصادي وأزماته العنيفة المتتالية، فضلًا عن الحروب وما ينتج عنها من نزوح ولجوء وتشرد، فأصبح لزامًا على كل عاقل أن يعيد النظر في أساليب الحياة المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بالشراهة في الطعام، وجعله أحد غايات الإنسان المعاصر.
آن الأوان لتطبيق نصيحة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“اخشوشنوا؛ فإن النعم لا تدوم”.
بل آن الأوان ليعيد المسلم نظرته للحياة كلها بشكل عام، وينفي عنه التعلق بها وبكل متعها وشهواتها، وبكل ما يدعوه للركون لها فيخلده إلى الأرض.

وختامًا: لا نصيحة أعظم ولا أوفى مما ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

فليس المقصود كما أسلفنا أن ندعو إلى الجوع والهلاك، وإنما هي دعوة لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة