كانَ النبيّ ﷺ مثالًا يُقتدى به في عنايته ببناته؛ فقد خصّهنّ برعايةٍ فائقة، ولم تنقطع هذه العناية بعد زواجهنّ، بل ظلّ حاضرًا في حياتهنّ بعاطفته وإرشاده، سندًا لهنّ في شؤون حياتهنّ.
فكان النبي ﷺ إذا دخلتْ عليه ابنته فاطمة رضي الله عنها قام إليها، فأخذ بيدها وقبّلها وأجلسها في مجلسه؛ إكرامًا لها وإظهارًا لمحبّته لها.
وحينَ مرضت ابنته رُقيّة رضي الله عنها، أمر زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه أن يتخلّف عن غزوة بدر؛ ليبقى إلى جِوارها يُمرّضها ويرعاها، مع أنّ ذلك كان سببًا في تخلّفه عن غزوة عظيمة.
وكان النبي ﷺ يزور بيت فاطمة رضي الله عنها، ويُحبّ أولادها، فإذا رأى الحسن والحسين قال: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهمّ إني أحبّهما فأحبّهما وأحبّ من يحبّهما».
وفي أحد المواقف دخل عليْها وسألها: «أين ابن عمّك؟» فذكرتْ له ما كان بيْنها وبيْن زوجها عليّ رضي الله عنه، فتعاملَ مع الأمر بحكمةٍ ولطف.
ولمّا بلغ فاطمة رضي الله عنها أنّ عليًّا رضي الله عنه أراد أن يخطب بنت أبي جهل، جاءت تشكو إلى أبيها، فقالت: «إنّ الناس يزعمون أنّك لا تغضب لبناتك»، فاستجاب لها النبي ﷺ، وخطب في الناس مُبيّنًا مكانة ابنته منه، وقال: «إن فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها، ويُريبني ما رابها».
وحين أثقلتها أعباءُ عمل البيت، جاءت تشتكي إلى أبيها ﷺ وتطلب منهُ خادمًا يُعينها، فلم يردّها ولم يُهملها، بل أرشدها إلى ما هو أعظم نفعًا، فقال: «ألا أدلّك على ما هو خير لك من خادم؟ تُسبّحين ثلاثًا وثلاثين، وتحمدين ثلاثًا وثلاثين، وتُكبّرين أربعًا وثلاثين عند النوم؛ فهو خير لك من خادم».
ولم ينسَ النبي ﷺ ابنته حتى وهو في مرضه؛ فحين زارتهُ فاطمة رضي الله عنها في مرضه الذي قُبض فيه، سارّها بشيء فبكت، فلما رأى ذلك سارّها مرةً أخرى فأضحكها.
هذه المواقف تؤكّد أهمية عناية الأب بابنته حتى بعد زواجها، وأنّ دوره لا ينقطع، بل يتجدّد حضورًا واهتمامًا وإرشادًا؛ فالبنت دائمًا بحاجة إلى والدها تستند إليْه وتأنس بقربه، ويظل حضوره في حياتها مصدر طمأنينةٍ وأمان.
اللهم صلِّ وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المصدر: لطيفة العتيبي










