بر الوالدين… في جلبة العيش وهدير الأيام، تجري بيننا الكلمات عفوية، لكنها قد تفتح في النَّفس نوافذ للشجن، وتوقظ في الروح خواطر نامت على وجع، وأي وجع! كنتُ أُحادثها، وفي منتصف الحديث، تمنّعت ورفضتْ يد المساعدة التي اطلبها منها!، فما كان مني إلا أن جرى على لساني قول الحق تبارك وتعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).. التفتُّ إليها وهتفتُ مستفهمة: بالوالدين ماذا؟ إحسانًا! ثم أردفتُ أُلاطفها لما رأيتُ صمتها: لا بأس إن لم تجيبي الآن، فستأتي أختك الصغيرة وتستجيب، فهي “إحسانٌ” بحق.. أترى الصغيرة مستيقظة أم نائمة؟ هل نام الإحسان في بيتنا أم ماذا؟ تعالي يا صغيرة!
مضى الموقف وعادت الصغيرة إلى لعبها، لكنّ جملتي تلك بقيت تدق في صدري كالجرس: “هل نام الإحسان؟” قلتها مازحة مداعبة، ولكنها ما إن استقرّت في سويداء قلبي حتى سرحت بمخيلتي نحو واقعنا المرير، وأقبلت أسائل نفسي في حيرة وأسى: هل فعلاً نام الإحسان ورقد في قابر النسيان؟ هل صار جوّنا العام جو عقوقٍ وجفوة، وقلة احترام للروابط، وبُعدٍ عن حياض الدين؟ أم عساها تكون حالات فردية لا يُقاس عليها؟
يا ليت شعري! هل هبط المستوى الأخلاقي في مجتمعاتنا إلى الحد الذي غدا فيه الصراخ في وجه الأبوين، وشتمهما، والتأفف منهما أمرا يُسكت عنه؟ وقد سطر في كتاب الله ما سطر! بل وا أسفاه، حتى التلفظ بالألفاظ النابية بين يديهما، والسخرية من كلامهما، أصبح لدى بعض الناشئة مما يُستملح أو يُستساغ!
كم من عاقٍ اليوم وعاقة، وكم من القلوب التي تحجرّت فما عادت تملك لوالدِيها دمعة رِقّة أو بسمة بر! إنها والله لم تعد حالاتٍ معزولة يُشار إليها بالبنان تعجبًا، بل كأنه مرض تفشّى في جسد الجيل، وبلاء أصاب البيوت، يعاني منه الآباء والأمهات في صمتٍ يمزق الحشا، تدرك ذلك المجتمعات أو تتعامى عنه!
بر الوالدين! تمر أمام عيني مشاهد لفتيات في عمر الزهور، وهنّ يصرخن في وجوه أمهاتهنّ؛ ولم يكن الأمر تذمرا خفيا أو تأففاً عابرا، بل هو الصراخ العالي، والعصبية الثائرة، والرفض الجاف. وتتزاحم في الذاكرة مواقف لشباب مع آبائهم؛ تراه متسخطا من أبيه، مقللاً من هيبته، ينظر إليه شزرا بنظرة ازدراء لا تليق بذي مروءة، فإذا بدا من الأب الشيخ ما لا يوافق هوى الابن المعجب برأيه، انهال عليه صراخا ونقدا، وضارباً للأبواب والأغراض، كأنه الندّ للندّ، بل كأنه السيد والوالد هو المسود! وعجبٌ آخر تراه في بعض البيوت؛ فئام من الأبناء لا يرون البر إلا للأمهات، أما الأب فوجوده كعدمه، هم أكبر من أن يستمعوا لنصحه، وأرفع -في ظنهم الفاسد- من أن ينزلوا عند رأيه ويحترموا شيبته. وما علموا أن رضا الله في رضا الوالدَين معاً، وأن الجنة لها بابان لا يغني أحدهما عن الآخر. وإذا فتّشت عن أسباب هذا الداء الدويّ، رأيت وراءه انحطاطا أخلاقيا تغذّيه غفلة القلوب، وتزيده تفشياً هذه “الوسائل” التي نسميها وسائل التواصل، وهي في حقيقتها أصل التقاطع! منصات وفضاءات جعلت من الوالدين أضحوكة للمقاطع الساخرة، ومادة للتندر، يُصور فيهما الأب بقلة الحيلة وتُصور الأم بالجهل، لتصبح صورتهما محل ازدراء وضحك متبذل!!
لقد جُعلت المواقف غير اللائقة والألفاظ القبيحة معروضة على الفضاء العام، يراها الصغير والكبير، حتى أَلِفتها العيون، ومجّت استنكارَها النفوس، فدَرَجت على الألسن، وصارت وقاحة الأبناء وبذاءتهم مقبولة مستساغة، يُصفق لها المتابعون ويضحك منها الغافلون!
ألا فليعلم هذا الجيل، أن الإحسان إن نام في قلوبهم، فإن عين الله لا تنام، وأن بر الوالدين ليس نافلة من القول ولا فضلة من الوقت، بل هو قرين التوحيد في كتاب الله، وهو بوابة التوفيق في الدنيا والنجاة في الآخرة. رحم الله أيامًا كان الإحسان فيها مستيقظا في كل بيت، فهل من إفاقة قبل فوات الأوان؟
أما من رحل والداه، ففرصة البر لم تفت؛ فما زال بإمكانه أن يكون ذلك: “أو ولد صالح يدعو له”. رحم الله كل أب وأم رحلوا عن هذه الدنيا وغفر لهم. وأما من كان والداه -أو أحدهما- حيًا، فالفرصة لا تزال امامه، فليُقبل عليهما بخفض الجناح قبل الندم..










