هدي النبي ﷺ والصحابة في القيام والقرآن في شهر رمضان
اختصّ الله شهر رمضان بفضائل عظيمة، وجعله موسمًا لتزكية النفوس، ورفع الدرجات، ومضاعفة الأجور، وكان أعظم ما ميّز هذا الشهر: القرآن والقيام.
ولم يكن تعظيم هذين العبادتين عند النبي ﷺ وصحابته رضي الله عنهم مجرد مظاهر أو أعداد، بل عبادة قائمة على الإخلاص، والمتابعة، وحضور القلب، بعيدًا عن التكلف والابتداع. ومن هنا تأتي أهمية الوقوف على هدي النبي ﷺ وهدي الصحابة في القيام وتلاوة القرآن في رمضان؛ ليتحقق الاتباع الصحيح، وتصحّ العبادة كما أُريد لها شرعًا.
- هدي النبي ﷺ مع القرآن في رمضان
قال الله تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ الآية.
فكان النبي ﷺ يُعظّم القرآن في رمضان تعظيمًا خاصًّا، ويتفرغ له أكثر من غيره. وثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن».
وفي هذا دلالة واضحة على اختصاص رمضان بمزيد عناية بالقرآن، واستحباب مدارسة القرآن.
إن أثر القرآن يظهر في العمل والسلوك، كما ظهر في جود النبي ﷺ.
- هدي النبي ﷺ في قيام رمضان
شرع النبي ﷺ قيام الليل، وحثّ عليه في رمضان خاصة، فقال:
«من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه».’¹’
وكان قيامه ﷺ قيامًا طويلًا خاشعًا، لا يُنظر فيه إلى كثرة الركعات، بل إلى جودة الصلاة. وقالت عائشة رضي الله عنها:
«ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة».’²’
● تنبيه:
لم يحدد النبي ﷺ عددًا لازمًا للأمة، وإنما أخبر عن فعله؛ فدلّ ذلك على سعة الأمر، وأن العبرة بالخشوع والطول لا بالعدد.
- هدي الصحابة في قيام رمضان
لما زالت خشية الفرض بعد وفاة النبي ﷺ، جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس على إمام واحد، وقال: «نِعْمَتِ البدعة هذه».
وهذه ليست بدعة شرعية، بل إحياء سنة فعلها النبي ﷺ ثم تركها لعلة زالت. وقد كان الصحابة يُطيلون القيام إطالة عظيمة؛ حتى يعتمدوا على العصي من طول الوقوف، ويقرأون بالمئين.
وكان هذا القيام جماعيًّا منضبطًا، خاليًا من التكلف، مبنيًّا على السنة.
- هدي السلف الصالح مع القرآن في رمضان
كان رمضان عند السلف شهر القرآن بامتياز، فكانوا يكثرون من التلاوة، ويخففون من مجالس العلم الأخرى، ويجعلون جلّ وقتهم للقرآن.
قال الإمام الزهري رحمه الله:
«إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام».
وكانوا يختمون القرآن ختمات متعددة، مع مراعاة التدبر وعدم الهذرمة، فجمعوا بين كثرة التلاوة وحضور القلب.
● ضوابط شرعية وتنبيهات
العبادة في رمضان توقيفية، فلا يُشرع:
- دعاء مخصوص لكل ركعة.
- ولا أذكار جماعية لم تثبت.
- ولا ربط المغفرة بعدد معين من الركعات.
قال تعالى:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾. المطلوب هو: - الإخلاص لله.
- الاتباع للسنة.
- حضور القلب.
- البعد عن الرياء والعادات المخالفة للهدي النبوي.
كان هدي النبي ﷺ وصحابته في رمضان هديًا ربانيًّا متوازنًا، جمع بين القيام الطويل، وتلاوة القرآن، والتدبر، والعمل. ولم يكن رمضان عندهم شهر مظاهر، بل شهر عبادة صادقة على منهج الوحي. فمن أراد القبول، فليلزم الأثر، وليُحيِ رمضان كما أحياه النبي ﷺ وأصحابه، لا كما اعتاده الناس.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن والقيام، ووفّقنا للاتباع بلا ابتداع، وللإخلاص بلا رياء.
‘¹’ متفق عليه.
‘²’ متفق عليه.










