اختلال ميزان الفطرة والتربية

|

إلى أين نمضي حين يختل ميزان الفطرة والتربية؟

لم تعد أزمات الأمة اليوم أحداثًا متفرقة يمكن التعامل معها كلٌّ على حدة، بل صارت منظومة واحدة متداخلة، تتغذى فيها الفتن بعضها من بعض، حتى صار الإنسان يعيش اضطرابًا في الفطرة، وغيابًا في التربية، وضعفًا في تلقي الدين من منابعه الصحيحة.

حين يختل ميزان الفطرة، لا يعود الإنسان يميز بين ما جُبل عليه من حياءٍ وعفةٍ وستر، وبين ما يُفرض عليه من مفاهيم وشعارات تُعيد تعريف الخير والشر والجمال والقيم على غير مراد الله. فيتحول التبرج والسفور والانفلات الأخلاقي من مخالفات تُستنكر إلى أنماط حياة تُسوَّق باسم الحرية والتقدم، حتى يُستغرب المعروف ويُستساغ المنكر، ويضعف في القلب نور الإنكار شيئًا فشيئًا.

وهذا التحول لا يقع فجأة، بل عبر تراكم طويل من المؤثرات اليومية: صورة بعد صورة، ورسالة بعد رسالة، ومشهد بعد مشهد، حتى يصبح ما كان يُعد انحرافًا بالأمس أمرًا مألوفًا اليوم. وهنا تكمن خطورة الحرب على الفطرة؛ لأنها لا تستهدف السلوك الظاهر فحسب، بل تستهدف إعادة تشكيل القناعات والمشاعر والأذواق من الداخل.

فطرة
تربية

وفي المقابل، لا يمكن فصل هذا الانحراف عن أزمة أعمق في الأسرة. فحين يتراجع دور الوالدين في التوجيه والمتابعة والاحتواء، ينشأ جيل يتلقى قيمه من الشاشات أكثر مما يتلقاها من البيت، ويتربى على أيدي المؤثرين أكثر مما يتربى على أيدي المربين. وحين تغيب القدوة الصالحة، والحوار الصادق، والتربية الإيمانية، تصبح النفس فريسة سهلة لكل فكرة وافدة وشهوة عابرة.

ثم تأتي أزمة أخرى لا تقل خطرًا، وهي ضعف الصلة بالعلم الشرعي الموروث عن النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم. ففي زمن كثرت فيه المنصات والمتصدرون، أصبح كثير من الناس يتلقون دينهم من المقاطع المختصرة، أو العبارات المؤثرة، أو الشخصيات المشهورة، دون تمييز بين عالم راسخ ومتحدث بارع. فاختلط الحق بالباطل، والسنة بالبدعة، والعلم بالرأي المجرد.

إن الدين لا يُؤخذ بالعواطف، ولا بكثرة المتابعين، ولا بحسن العرض والبيان، وإنما يُؤخذ من الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]. فكل طريق لا ينتهي إلى الوحي فهو طريق موحش، وإن زخرفته الشعارات وأعجب الناس أصحابه.

وما نشهده اليوم من اضطراب فكري وأخلاقي وتربوي ليس إلا ثمرة للابتعاد عن منابع الهداية الأولى؛ فحين يضعف العلم الصحيح تكثر الشبهات، وحين تضعف التربية تكثر الشهوات، وحين تُهمل الفطرة يضيع الميزان الذي يُفرِّق بين الحق والباطل.

إن اجتماع هذه الأزمات ليس أمرًا عابرًا، بل هو إنذار يدعو كل مسلم إلى مراجعة نفسه وبيته ومصادر تلقيه. ولا نجاة للفرد، ولا صلاح للأمة، إلا بالعودة الصادقة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وتعظيم الوحي، وإحياء دور الأسرة، وحراسة الفطرة من كل ما يفسدها.

فإذا استقامت الفطرة على ما فطر الله الناس عليه، وقامت الأسرة بواجبها، وتلقى المسلم دينه من منابعه الصافية، عاد للقلوب نورها، وللعقول رشدها، وللأمة عزها، وسلكت طريق الهداية وسط ظلمات الفتن المتكاثرة.

للمزيد:
الواجب أمام الحرب على الفطرة!
الفطرة ساحة الحرب الأخيرة
خرم الفطرة


النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة