الصدقة في رمضان وإفطار الصائم

|

الصدقة في رمضان وإفطار الصائم

عبادة الزمان المبارك وميدان السبق إلى الله
يأتي شهر رمضان حاملًا معه مواسم الخيرات، ومضاعفة الأجور، وفتح أبواب البر، فيغدو الإنفاق في سبيل الله فيه من أجلّ العبادات وأعظم القربات، لا سيما الصدقة وإفطار الصائم؛ إذ يجتمع فيهما شرف الزمان، وصدق الإيمان، ورحمة الإحسان.

أولًا: فضل الصدقة في القرآن الكريم

جاء الحثّ على الإنفاق في كتاب الله مقرونًا بالوعد العظيم والثواب الجزيل، قال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261] الآية.
وقال سبحانه:
﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
[آل عمران: 92] الآية.
وقال جلّ وعلا في وصف عباده الأبرار:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8].

ثانياً: الصدقة في رمضان من هدي النبي ﷺ

كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان يبلغ ذروة الجود في رمضان.
قال ابن عباس رضي الله عنهما:
«كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلرسولُ الله ﷺ أجودُ بالخير من الريح المرسلة»’¹’. وقد بيّن أهل العلم أن جوده ﷺ في رمضان لكونه موسم الطاعات، ومحلّ مضاعفة الحسنات، ولأن الجمع بين الصيام والصدقة من أكمل أحوال العبودية.

ثالثًا: الصدقة سبب لتكفير الذنوب والوقاية من النار

قال النبي ﷺ:
«الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار».’²’ وقال ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»’³’.
فالصدقة وقاية، ورحمة، وتطهير للنفس والمال.

رابعًا: إفطار الصائم… أجر لا ينقص

من أجلّ أبواب الصدقة في رمضان تفطير الصائمين، وهو عبادة مستقلة ذات فضل عظيم.
قال رسول الله ﷺ:
«من فطّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء»’⁴’
وقال ﷺ:
«من فطّر صائمًا على تمر فله أجر، ومن فطّره على شربة ماء فله أجر».’⁵’
وفي هذا دلالة على سعة رحمة الله، وأن الأجر يُنال بالقليل إذا صَحّت النية.

خامسًا: هدي النبي ﷺ في الإطعام

حثّ النبي ﷺ على إطعام الطعام وجعله من أسباب دخول الجنة، فقال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام».’⁶’

سادسًا: آثار الصحابة والسلف في الصدقة وإفطار الصائم

كان السلف الصالح يحرصون على الصدقة في رمضان حرصًا شديدًا، ومن ذلك:

  • قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
    “لأن أجمع إخواني على صاعٍ من طعام أحبّ إليّ من أن أعتق رقبة”.
  • عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان لا يفطر إلا مع المساكين، فإذا مُنعهم بكى.
  • الحسن البصري رحمه الله قال:
    “إطعام الطعام من أخلاق المؤمنين، وهو طريق الصالحين”.
  • سفيان الثوري رحمه الله قال:
    “أحبّ إليّ أن أنفق درهمًا في رمضان من أن أنفق مائة في غيره”.

سابعًا: صور الصدقة في رمضان

تتنوّع صور الصدقة في هذا الشهر المبارك، ومن ذلك:

  • تفطير الصائمين ولو بالقليل.
    -كفالة الأسر المحتاجة.
  • إعداد وجبات الإفطار.
  • صدقة السر.
  • الإنفاق على الأهل بنية الصدقة.
  • تفريج كرب المسلمين.
    قال النبي ﷺ:
    «أفضل الصدقة صدقة في رمضان»’⁷’.

ثامنًا: الجمع بين الصيام والصدقة

قال ابن القيم رحمه الله:
“كان من هدي النبي ﷺ الجمع بين العبادات، فكان يجمع بين الصيام والصدقة والقرآن والذكر، وذلك أكمل الأحوال”.

تاسعًا: تعليمات وتوجيهات للمسلمين في باب الصدقة وإفطار الصائم

  • الإخلاص لله وحده في الصدقة، والحذر من الرياء والمنّ والأذى.
  • تقديم الفقراء والمحتاجين وأهل الحاجات الحقيقية.
  • الحرص على صدقة السر؛ فهي أعظم أجرًا وأبعد عن الرياء.
  • عدم احتقار القليل من الصدقة، فالله يبارك فيه.
  • تحري الحلال في المال المتصدّق به.
  • استحضار نية الاقتداء بالنبي ﷺ في الجود.
  • الجمع بين الصدقة وسائر الطاعات وعدم الانشغال بها عن الفرائض.
  • استثمار العشر الأواخر بمزيد من البذل والإنفاق.

إن الصدقة في رمضان تجارة رابحة، وباب عظيم من أبواب القرب إلى الله، بها تزكو النفوس، وتُمحى الذنوب، وتُنال الدرجات.
قال تعالى:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 110].

فطوبى لمن اغتنم أيام رمضان في الصدقة والبذل، وجعلها زادًا له ليوم يلقى الله فيه.


‘¹’ متفق عليه.
‘²’ رواه الترمذي.
‘³’ متفق عليه.
‘⁴’ رواه الترمذي.
‘⁵’ رواه ابن خزيمة
‘⁶’ رواه الترمذي.
‘⁷’ رواه الترمذي.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة