“وصيةٌ للصائم” قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ.
أيها الصائم، أكْثِر استذكار هذا الحديث الجليل؛ ليعظم في نفسك أمر عبادة الصوم، وتقبل عليها بنفسٍ طيبةٍ فرحة، توّاقة إلى الأجر والثواب، مخلصةٍ لله سبحانه، استذكره دائمًا، طوال يومك. وعند أذان المغرب، تستشعر وتحتسب أنك الآن في فرحتك الأولى، فرحتك ولو بشق تمرة، ولو بشق من الرطب، تحمد الله على إتمامك صوم هذا اليوم، وتدعوه أن يتقبل منك، ويبلغك الفرحة الثانية على عفو وعافية.
جاء في لطائف المعارف لابن رجب:
“الصبر ثلاثة أنواع:
صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
وتجتمع الثلاثة في الصوم؛ فإن فيه صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عما حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبرًا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن”.
الصيام لا يعني أن تدع طعامك وشرابك فحسب، الصيام مدرسة! مدرسة تجدد فيها روحك، لا أوقات وولائمَ مائدتك وأشربتك! بل تدرك أنك في شهر عظيم، وفي عبادة عظيمة، وفي أوقاتٍ تشترى الثانية منها بأغلى الأثمان! عندما تدرك ذلك، سترى الأمور في أحجامها الحقيقية، وستسمو نفسك سموًّا، وتتوق إلى القرب من خالقها، وتجاهد قدر الاستطاعة للارتقاء في منازل العبودية، وترى ما دون ذلك هينًا تزهد فيه.
ضع أمام أعينك هذا الهدف: الارتقاء من صيام العموم إلى صيام الخصوص!
وانظر إلى أحوال الصالحين والعُبّاد في هذا الشهر؛ لتشحذ همتك، وتدخل مضمار السباق متلهفًا للقرب من الله، فأين قلوبنا إن رأينا غيرنا يتسابقون إلى الفوز برضا الله ومنازل الجنة العالية ولا نغار ونسعى!
فأضف إلى الصوم عن الطعام والشراب، صيام اللسان عن الغيبة والنميمة وفضول الكلام، واجعله رطبًا بذكر الله، وآي القرآن. وصيام الجوارح عما لا يرضي الله، وأخص بالذكر -مع انتشار الهواتف- العين والأذن، فلا تشاهد أو تسمع ما لا يرضى الله أبدًا، واحرص على ذلك في رمضان، وإن استطعت إغلاق هاتفك على مدار الشهر فنعمت الفِعلة!
“لا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء”.
احرص على الإكثار من تلاوة القرآن، والإقبال على المصحف إقبالًا خاصًّا، واستثمار ما استطعت من الأوقات ليكتب لك فيه حسنة، من ذكرٍ أو إحسانٍ أو قراءة قرآن.
قال ابن كثير في فضائل القرآن:
“ولهذا يستحب إكثار تلاوة القرآن فى شهر رمضان لأنه ابتدئ بنزوله ولهذا كان جبريل يعارض به رسول الله فى كل سنة في شهر رمضان”.
ولكن لا بد لقارئ القرآن من تدبره، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
واستكثر من الصدقة، والإحسان إلى الناس، وابتغِ بذلك طلب رضا الله سبحانه عن طريق الإحسان إليهم… عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، كان أجودُ ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريلُ يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيُدارسه القرآن، فلَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريلُ أجودُ بالخير مِن الريحِ المُرسَلة”.
قال ابن رجب في لطائف المعارف:
“فدل هذا على أنه صلى الله عليه وسلم أجود بني آدم على الإطلاق. كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة. وكان جوده بجميع أنواع الجود من بذل العلم والمال وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم وقضاء حوائجهم وتحمل أثقالهم، ولم يزل صلى الله عليه وسلم على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ”. اهـ
عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “إنَّ اللَّهَ عز وجل فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ، وَسَنَنْت قِيَامَهُ، فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ”.
ولكي تقوم وتزيد من حضور قلبك وخشوعك وقوة بدنك؛ قلل الطعام، واحذر امتلاء شر وعاءٍ يُملأ: البطن. فإن كثرة الطعام تورث الكسل، وتثير الشهوات، وتقلل النشاط والهمة، وتقليل الطعام فيه من الفوائد ما يطول بسطه! ودائمًا، وقبل تقليل الطعام، احرص على النية الحسنة، والطاعات التي تزيد بها إيمانك، ودعاء الله سبحانه أن يجعلك من العتقاء، لا المحرومين والعياذ بالله.
واجعل الدعاء دأبك، الدعاء عبادة جليلة لا تتخفف منها! بل ادع خالقك ولو في أيسر أمورك، توجه إليه واسأله دومًا، واسأله أن تكون من عتقاء الشهر، وأن يعينك لتجعل عبادتك في رمضان نقطة انطلاقٍ لا محطة وقوف! وتذكر: العبرة بالخواتيم، أما البدايات، فالمعظم يسرع! وهنيئًا لمن سمَتْ وارتقَتْ نفسه حتى اشتعلت في الخير همته!
تذكر صباح العيد، حين يفرح كل من عبد واجتهد، ويتفرغ ليدعو الله في قادم أيامه ليتقبل منه اجتهاده في سالفها، ويخطط لكيف يستمر على عبادات رمضان ويستزيد، ويحمد القوم السرى، استعذ بالله من انقباض ووخز صدرك ندمًا وحسرةً وقتها على ما فرطت من الساعات والدقائق الثمينة المباركة في رمضان، وتأخرك في المضمار، استعذ أن ينغص عليك فرحةَ العيد تقصيرُك وتكاسلك!
كتبنا ما كتبنا ونرجو أن يصلكم ويقع موقعه المنشود وينفعكم، وإنا في الظاهر لنكتب لكم، وما نحن إلا بمخاطبي أنفسنا وأحوجنا -ولا جرم- إلى مثل هذا الكلام! فاللهَ تعالى نسألُ أن يعيننا على قيام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وأن يتقبل منا، ويغفر لنا، ويدخلنا جنته، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى الله بقلبٍ سليم! سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.










