التفقه في الدين

|

واجب التفقه في الدين ومعرفة مسائل الفقه للمسلمة

في زمنٍ تراكبت فيه المؤثرات، وتشابكت فيه المرجعيات، وتغيرت فيه المفاهيم حتى غدا الإنسان المسلم يتلمس طريقه بين خطابٍ لا ينتمي إلى وحيه، ونماذج لا تنسجم مع فطرته، برز التفقه في الدين بوصفه ضرورة معرفية ووجودية، لا خيارًا تكميليًّا أو ترفًا ثقافيًّا.

وقد كانت المرأة المسلمة في قلب هذا التحول؛ إذ توالت عليها المدخلات الفكرية الوافدة، حتى لم تعد تقتصر على أنماط سلوكية أو قوالب اجتماعية، بل تجاوزتها إلى إعادة تشكيل الوعي، وإعادة تعريف الذات والدور والمعنى.

ومع هذا الزخم الفكري، باتت الحاجة ماسة إلى إدراك أن التفقه في الدين، ولا سيما معرفة مسائل الفقه، ليس مقصورًا على ضبط الأحكام الجزئية، بل هو تأسيس لبصيرة كلية تمكن المسلمة من قراءة الواقع قراءة شرعية، وتحصنها من الذوبان في مفاهيم دخيلة تُقدَّم غالبًا في صورة تحرير أو تمكين وهي في حقيقتها تفريغ للمعنى وإزاحة للمرجعية.

فالفقه هو الذي يمنح المسلمة القدرة على التمييز بين ما هو من مقتضيات الشريعة وما هو من إفرازات الثقافة السائدة، ويجعلها واعية بمسارات التأثير، وبالتحولات التي تستهدف بنيتها القيمية قبل سلوكها الظاهر. وبهذا المعنى، يكون الفقه انتقالًا من التدين الانفعالي أو الوراثي إلى التدين الواعي، القائم على الفهم والبصيرة، لا على ردود الأفعال أو مجرّد الالتزام الشكلي.

وحين تتسلح المسلمة بالفقه، فإنها لا تحصن عبادتها فحسب، بل تعيد ترتيب علاقتها بالحياة كلها؛ فتصبح أفعالها اليومية متصلة بمعنى العبودية، وتغدو تفاصيلها العادية مشدودة إلى مقصد شرعي. فتتحول مسؤولياتها الأسرية، وتدبيرها لشؤون بيتها، وتربيتها لأبنائها، إلى مساحات عبادة واعية، تُدار وفق فقه الأولويات، ومراعاة المقاصد، وتحقيق المصالح، ودفع المفاسد. وهنا يتجلى أثر الفقه بوصفه علمًا مُنشئًا للمعنى، لا مجرد علم مُقعِّد للأحكام.

وقد نبه أهل العلم إلى أن السعادة الحقيقية والفلاح التام لا ينفصلان عن هذا المعنى، فليس العلم وحده كافيًا ما لم يقترن بالعمل، ولا العمل مستقيمًا ما لم يُبنَ على علم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “إن السعادة التي هي كمال البهجة واللذة لا تحصل بمجرد العلم، وإن كان العلم شرطًا فيها، بل لا بد من العلم بالله وبأمره، والعمل بمقتضى هذا العلم”. مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». فدلّ ذلك على أن الفقه في الدين علامة إرادة الخير، وشرط من شروط الفلاح، لا يتم المقصود بدونه.

ومن هنا، فإن الجهل بالفقه، أو الاكتفاء بالحد الأدنى منه، لا يترك أثره في دائرة العبادة الفردية فقط، بل يمتد ليطال القرارات المصيرية، والاختيارات التربوية، والمواقف الفكرية، فيصبح الإنسان عرضة للتناقض، أو للانسياق خلف تصورات مشوّهة، تُلبس الباطل لباس الحق، وتُفرغ القيم من مضمونها الشرعي.

إن واجب التفقه في الدين ومعرفة مسائل الفقه بالنسبة للمسلمة اليوم هو واجب حفظ وبناء في آنٍ واحد؛ حفظ للهوية، وبناء للوعي، وصيانة للأسرة، وتأهيل لجيلٍ يتلقى الدين على بصيرة، لا على عادة. وبهذا التفقه تستعيد المسلمة موقعها الطبيعي: عابدة واعية، ومربية بصيرة، وصاحبة موقف شرعي من واقعها، قادرة على أن تعيش زمنها دون أن تذوب فيه، وأن تتفاعل مع تحدياته دون أن تفقد مرجعيتها.

فالفقه ليس علمًا يُحفظ فحسب، بل نورٌ يُهتدى به، ومنهجٌ تُدار به الحياة، وبه وحده ينتقل التدين من صورة شكلية إلى حقيقة راسخة، ومن أداءٍ مجرّد إلى عبودية واعية تُرضي الله، وتُقيم الإنسان في موضعه الصحيح من هذا الوجود.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة