وقفة علمية مع دعوى “الإعجاز العددي” في سورة القمر

|

سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 11: بين تدبر القرآن والتكلف في الأرقام: وقفة علمية مع دعوى “الإعجاز العددي” في سورة القمر

لقد امتلأت وسائل التواصل في الآونة الأخيرة بمنشورات تُلبِس بعض العمليات الحسابية ثوب الإعجاز، حتى صار كثير من الناس يظن أن هذه العلاقات العددية من دلائل صدق القرآن، مع أن القرآن لم يأتِ ليربط الناس بمعادلات رقمية، وإنما جاء هدايةً وبيانًا ونورًا.

إعجاز

والمنشور المتداول يزعم أن تكرار قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17، 22، 32، 40]

ثم جمع ترتيب هذه الآيات في المصحف، ثم قسمتها على عدد آيات السورة، أخرج رقمًا قريبًا من عدد أيام السنة القمرية، ثم جعل ذلك “معجزة” وربطه بكلمة (عام) بحساب الجُمَّل.

وهذه الدعوى تحتاج إلى ميزان العلم لا إلى الانبهار.

تكرار الآية حق… أما ما بُني عليه فليس بدليل.

تكرار الآية أربع مرات ثابت بنص القرآن، وله حكمة عظيمة، وهي تأكيد أن الله يسر كتابه للحفظ والفهم والاتعاظ، بعد ذكر أخبار الأمم المكذبة.

قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾

لكن لم يرد عن النبي ﷺ، ولا عن الصحابة، ولا عن أئمة التفسير، أن الحكمة من هذا التكرار هي استخراج أرقام أو معادلات فلكية.

ولو كان ذلك مقصودًا لسبقونا إليه، وهم أعلم الناس بكتاب الله.

ترتيب الآيات في المصحف ليس طريقًا لاستخراج الأحكام

الأرقام التي استعملها المنشور (4863، 4868، 4878، 4886) هي أرقام تعتمد على عدِّ الآيات في المصحف.

وهذه الأرقام ليست جزءًا من ألفاظ الوحي، وإنما هي وسائل تنظيمية مبنية على طريقة العد.

بل إن علماء المسلمين اختلفوا في عدِّ الآيات بين المدني والكوفي والبصري والمكي والشامي، ولذلك قد تختلف أرقام الآيات الإجمالية باختلاف مدارس العد، مع بقاء القرآن نفسه محفوظًا.

فإذا تغيرت الأرقام تغيرت النتائج الحسابية كلها.

فكيف يكون ذلك إعجازًا مقصودًا؟

التقريب ليس برهانًا

المنشور يقول إن الناتج (354.45…) قريب من عدد أيام السنة القمرية.

لكن الحقيقة أن:

الناتج ليس مساويًا لعدد أيام السنة القمرية.

وإنما هو رقم قريب بعد عدة عمليات حسابية مختارة.

ولو غُيِّرت طريقة الجمع أو الاختيار أو العد لخرجت نتائج مختلفة.

والإعجاز لا يقوم على التقريب والاحتمالات، بل على الدليل الواضح الذي لا يتغير.

حساب الجُمَّل ليس دليلًا شرعيًا

ربط المنشور كلمة (عام) بالرقم (111) اعتمادًا على حساب الجُمَّل.

وهذا الحساب لم يجعله الله وسيلة لفهم القرآن، ولم يستعمله النبي ﷺ، ولا الصحابة رضي الله عنهم في تفسير كتاب الله.

ولهذا كره كثير من أهل العلم تعليق المعاني الشرعية بهذه الحسابات؛ لأنها تفتح باب التكلف والادعاءات التي لا تنتهي.

قال الله تعالى:
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86].

التدبر غير التكلف

التدبر المشروع هو فهم مراد الله من الآية، والعمل بها.

أما تحويل القرآن إلى سلسلة من الألغاز الرقمية التي لا تعرف إلا بالحاسبة، فليس هذا هو التدبر الذي دعا إليه القرآن.

قال تعالى:
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29].

ولم يقل: ليجمعوا أرقامه ويستخرجوا منها معادلات.

أين الإعجاز الحقيقي؟

الإعجاز الحقيقي في هذه الآية ليس في الأرقام، وإنما في معناها.

فقد يسَّر الله القرآن للحفظ حتى يحفظه الصغير والكبير، والعربي والأعجمي.

ويسَّره للفهم والاتعاظ.

ويسَّره للتلاوة والعبادة.

ولهذا بقي القرآن محفوظًا في الصدور عبر القرون، بخلاف سائر الكتب.

وهذا من أعظم آيات الله.

وأخيراً ..

ليس كل توافق عددي يُسمى إعجازًا، وليس كل رقم يوافق رقمًا آخر يكون دليلًا ربانيًا.

ولو فتح هذا الباب لأمكن لكل أحد أن يصنع مئات العلاقات الرقمية ثم ينسبها إلى القرآن.

والواجب على المسلم أن يعظم كتاب الله بما عظمه الله به، وأن يفسره بفهم النبي ﷺ وأصحابه، لا بالاحتمالات الرياضية والتكلفات العددية.

قال الإمام ابن مسعود رضي الله عنه:
“من كان منكم مستنًّا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.”

فالسلامة كل السلامة في اتباع سبيل السلف، والوقوف عند النصوص، وتعظيم القرآن بما عظمه الله، دون تحميله ما لم يدل عليه، فإن شرف القرآن في هدايته ونوره وبيانه، لا في الأرقام التي يتكلفها المتكلفون.

والله أعلم.

للمزيد:
الانتفاع بالقرآن

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة