وتركوك قائمًا
من أعظم الحرمان أن ينشغل المرء يوم الجمعة بما لا يفيده فيها، وأن ينشغل عنها باللهو واللعب أو الأعمال المفضولة والمرجوحة، وقد عاب الله على قوم انصرافهم عن الخطبة إلى التجارة واللهو، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة – ١١]
وكان النبي ﷺ وأصحابه الأجلاء يعيشون حياة مكشوفة للناس، مسطورة في القرآن، وكانت الآيات تتنزل ببعض فعالهم وماجرياتهم في صدر الإسلام بغرض التوجيه والتصويب، وكانت الأمة لا تزال في ميدان التربية والتوجيه والتعليم، فيقدر الله أمورًا تكون فيها الدروس والعبر للأمة طول حياتها.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: “بينَما نَحنُ نُصَلِّي مع النَّبيِّ ﷺ إذ أقبَلَت عِيرٌ تَحمِلُ طَعامًا، فالتَفَتوا إليها حتَّى ما بَقيَ مع النَّبيِّ ﷺ إلَّا اثنا عَشَرَ رَجُلًا، فنَزَلَت هذه الآيةُ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجارةً أو لَهوًا انفَضُّوا إليها وتَرَكوكَ قائِمًا} [الجمعة: 11]”. وفي لفظ مسلم : “إلا اثنا عشر رجلا، فيهم أبو بكر وعمر”.
وعن أبي مالك قال : “قدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع، خشوا أن يُسبقوا إليه، فنزلت الآية”.

وفي رواية أخرى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: “كان الجواري إذا نكحوا، كانوا يمرون بالكَبَر والمزامير، ويتركون النبي ﷺ قائمًا على المنبر وينفضون إليها، فأنزل الله الآية”.
وقال مجاهد: “رجال كانوا يقومون إلى نواضحهم، وإلى السفر؛ يبتغون التجارة”.
وعن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: “كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة وكانت لهم سوق يقال لها البطحاء، كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والغنم والسمن، فقدِموا فخرج إليهم الناس وتركوا رسول الله ﷺ، وكان لهم لهوٌ؛ إذا تزوج أحدهم من الأنصار ضربوا بالكبَر، فعيَّرهم الله بذلك”.
فالروايات تتحدث عن واقعة مذمومة، وهي انفضاض بعض المؤمنين إلى صارف من صوارف الدنيا؛ بينما الخطبة قائمة والرسول ﷺ يخطب، وربما ذلك كان بسبب الجوع والفاقة مما جعلهم يسرعون إليها، إلا عددًا من أصحاب النبي ﷺ.
فنزلت الآيات موجهة للمؤمنين ومعلمة لهم بأن ذلك المجلس وتلك الساعة التي يقف فيها الإمام خطيباً يجب تعظيمها، والعمل بما يليق بها، من أدب وإنصات ورباط، وأن كل ما يشوش على ذلك فهو من العمل المكروه عند الله، فاستجاب القوم رضي الله عنهم وتعلموا أدب الجمعة، وتعلمت الأمة من بعدهم ألا تنشغل عن تلك الساعة بشاغل مهما زُين لهم.










