على كثرة الطيِّبات وسعتها التي أحلَّ الله لك، يأتيك الشيطان ليضيِّقها عليك، كما فعل مع أبينا آدم عليه السلام.
كانت الجنَّة كلها حلالًا له، يأكل منها رغدًا حيث يشاء، ونُهِيَ عن شجرة واحدة، فجاء الشيطان فأشغل آدم عليه السلام بالشجرة وأنساه ما سِواها من النعم والخير الوفير.
فوسَّع الحرام على ضيقه، وضيَّق الحلال على سعته.
﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴾.
وهذا فعله مع كل مسلم.
يأتيك فينسيك نعم الله عليك، ويجعل ما حرَّم الله، أو ما منعك منه لحكمة، أكبر في عينك من كل ما أعطاك، حتى لا ترى إلا ما فقدت، ولا تشعر إلَّا بما حُرمت.
وسبحان ربي، كم جرَّبنا ذلك وعددنا نعم الله علينا فوجدناها كثيرة جدًا في مقابل البلاء، ولكنَّ الشيطان لا يريد لك ذلك؛ لأنَّه يعلم أنَّ القلب إذا امتلأ باستحضار نعم الله، امتلأ شكرًا ورضًا، وهو ما يعني الرضا عن الله فلا سخط ولا جزع.
فكن فطنًا لعدوِّك، ولا تجعل نظرته هي نظرتك، وكن متيقظًا لنعم الله عليك.
وكلَّما ضاق صدرك، واشتدَّ كربك، تذكَّر نعم الله عليك، فإنَّ الشيطان يضخِّم البلاء في عينك حتى تسخط كما سخط هو، فلا ترى النعم أصلًا.

والمؤمن القويُّ يعلم أنَّ الدنيا دار ابتلاء، وأنَّ الله قد يبتلي عبده تكفيرًا لخطاياه، أو رفعًا لدرجته، أو تزكية لنفسه.
وصدق الشاعر: «طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنت تريدها … صفوًا من الأقذار والأكدار».
وأذكر هنا سورة الضحى؛ التي كانت وما زالت خير زاد لي في البلاء.
قال تعالى: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّك وَمَا قَلَى ﴾.
فليس كل تأخَّر في الفرج هجرًا، وليس كل بلاء علامة غضب من الله عليك.
وقال سبحانه: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى ﴾.
فمن لم يتأسَّ بالآخرة، ذهبت نفسه على الدنيا حسرات.
وقال سبحانه: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾.
فكم من عطاءٍ أخَّره الله، حتى إذا جاء، أَنْسَى العبدَ كل ما مضى.
ثم يلفتك الله إلى نعمه الماضية، وكأنَّه يعلِّمك كيف تواجه البلاء: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾.
وكأنَّ المعنى: إذا ضاق صدرك اليوم، فلا تنسَ نعم الأمس؛ فإنَّ الذي آواك، وهداك، وأغناك، لن يضيِّعك.
ثم تختم السورة بأمر عجيب: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾.
وكأنَّ من أعظم ما يخفِّف البلاء أن تتذكر نعم الله عليك، ثمَّ تجعل منها أثرًا في حياة غيرك.
وما أشبه آخر هذه القصة بأوَّلها؛ بدأت مع آدم بشجرة واحدة أنسته جنَّةً كاملة، وما زال الشيطان إلى اليوم يشغل الإنسان بمصيبة واحدة، أو نعمة مفقودة، حتى ينسيه بحرًا من نعم الله.
فلا تنظر بعين الشيطان، ولكن انظر بنور القرآن.
ومن رضي عن الله، رضي الله عنه، وقد قال رسول الله ﷺ: «إنَّ عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط».










