علم النفس (1)

علم النفس والخطاب الشعبوي.

​يا روح الفجر يا “دوفلامنغو”، كيف خرج علم النفس من عيادته الهادئة، حيث كان يجلس منصتًا للآلام الحقيقية، إلى السوق الشعبوي الصاخب؟ ليتدخل في كل علاقة وفعل، ويقنع الجميع أنهم ضحايا يحتاجون إلى علاج !
​ولا تخلني، يا مهجة القلب، أنكر ما يصيب الإنسان من همٍّ وكبد، أو أن الإنسان قد يكون ضحية غيره، أو حتى ضحية نفسه. ولا أقول إن طب النفس والأعصاب محض هراء، فهو علم مجرَّب. أَمَّا عِلْمُ النَّفْسِ الَّذِي يُقْنِعُ الجَمِيعَ بِأَنَّهُمْ يُعَانُونَ مِنْ إِسَاءَاتِ الوَالِدَيْنِ، وَعَلَاقَاتٍ سَامَّةٍ، وَصَدَمَاتٍ نَفْسِيَّةٍ، وَقَمْعٍ دِينِيٍّ، فَهُوَ يُعَارِضُ وَيَتَضَارَبُ مَعَ الدِّينِ الإِسْلَامِيِّ فِي قِيَمٍ رَاسِخَةٍ. فالإسلام، الذي يعلي شأن الجماعة والروابط الإنسانية، ويقيد جموح الإنسان، ويهذب نفسه، لا يتفق مع علم النفس الذي يعلي قيم الفردانية، والذات، وعيش الحياة، حتى لو أصبحت حياةً بهيمية.

​كان علم النفس، في نشأته، علمَ الاستثناء لا القاعدة؛ يُستدعى حين يختل الميزان اختلالًا واضحًا: اكتئابٌ معيق، أو ذهان، أو قلق يشل الإرادة. وكان يعرف حدَّه، فلا يدّعي تفسير كل ما في النفس البشرية. ثم تغيَّر العالم، وتغيَّر الإنسان معه.
​يا نديم القلب والفكر، تبدلت صورة الإنسان في الفلسفة الغربية؛ فلم يعد عبدًا مأمورًا بطاعة الله وعمارة الأرض، ولم يعد كائنًا مكلَّفًا، أو عضوًا في جماعة، بل أصبح مركز الكون، وذاتًا مستقلة يجب أن تُلبَّى جميع طلباتها. وأصبح هو نفسه محور الخير والشر، والمرجع لأفعاله. ومع هذه النقلة، احتاجت الحضارة إلى علمٍ يبرر هشاشتها، فحُمِّل علم النفس أكثر مما يحتمل. فما عاد الحزن حزنًا، بل صدمة، وسُمِّي الصبر كبتًا، والتربية الحازمة إساءة، وأصبح الضبط الأخلاقي يوصف بالقمع، وصار الالتزام، سواء كان التزامًا دينيًا، أو تجاه الأسرة ومسؤولياتها، مما يهدد الصحة النفسية. وهكذا، بدل أن يكون علم النفس أداة علاج، أصبح خطابًا شعبويًا: يفسر كل شيء، ويبرئ كل شيء، ويدين كل سلطة فوق الفرد.

​وَبِطَبِيعَةِ الحَالِ، فَإِنَّ تَمَلُّصَ الإِنْسَانِ مِنْ دَوْرِهِ الحَقِيقِيِّ جَلَبَ الوَبَالَ عَلَى قَلْبِهِ وَرُوحِهِ، المُمُتَعَطِّشَيْنِ إِلَى الرُّوحَانِيَّةِ، وَإِلَى القِيَمِ العُلْيَا، وَإِلَى بَشَرٍ يُشَارِكُونَهُ الطَّرِيقَ؛ فَقَرَّرَ ارْتِدَاءَ قَنَاعِ الضَّحِيَّةِ؛ لِأَنَّ خِطَابَ الضَّحِيَّةِ مُرِيحٌ. يعفيك من السؤال الأصعب: ماذا عليَّ أن أفعل؟ ويستبدله بسؤال ألطف: من الذي جرحني؟

​والإسلام، يا ابن القلب، لا ينكر الجراح، لكنه يرفض أن تتحول الجراح إلى هوية. فالقرآن يعترف بالألم، لكنه لا يسمح له أن يصبح عذرًا دائمًا، ويؤكد أن النفس تُكرَّم حين تُضبط، لا حين تُطلق. والجماعة نجاة، لا سجن. أما الحرية بلا تقوى ففوضى، والإنسان يُشفى بالمعنى قبل اللذة. على عكس علم النفس الذي أقنع الناس بأن ذاتك أولًا، ولو تحطمت الروابط، وأن راحتك فوق الواجب، ورغبتك معيار الصواب، وأن القيود مرض، والالتزام علة.

​الإسلام لا يبني إنسانًا “مرتاحًا”، بل إنسانًا سويًّا. والفرق بينهما كالفرق بين من يسكن الألم، ومن يعالج سببه.

​وحين انفصل علم النفس عن الغاية، لم يبق له إلا الإحساس اللحظي معيارًا. والبهيمة لا تعرف معنى، بل تعرف إشباعًا. والإنسان، إذا عُزل عن الغاية، صار أذكى بهيمة لا أكثر.

​ونحن، يا” دوفلامنغو”، علينا أن نأخذ من علم النفس أدواته، ونرفض أيديولوجيته. نستفيد من علاجه، ولا نؤله تفسيره. ونبقي الميزان بيد الوحي؛ لأن الوحي يعرف الإنسان حين يكون قويًا وضعيفًا، صالحًا ومنكسرًا، فردًا وعضوًا في أمة.
​وهكذا، لا نعود ضحايا روايات، بل أصحاب معنى، ومن كان له معنى، شُفي ولو تألم.

للمزيد:
الهشاشة النفسية: دراسة تأصيلية في ضوء الكتاب والسنة ومدرسة ابن القيم وعلم النفس المعاصر
“النفس البشرية بين الحق وكتب التنمية البشرية”.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة