ما بين هوى النفس والثبات: معاركُ خفيّةٌ لا يعلمها إلا الله!

لا أحد يعلم عدد المعارك التي خضتها مع نفسك وشيطانك وهواك، حتى تظهر بهذا الثبات. ولا أحد يعلم عدد المرات التي اغتسلت فيها من أدران الروح حتى تبدو بهذا الصفاء. ولا أحد يعلم حقيقة ما ستره الله عمّن يلقونك في سبيلك، من معاصٍ وانتهاكٍ لحرمات الله وتعدٍّ لحدوده، وقد أظهر لهم سبحانه جميل باطنك وأخفى عنهم سيّئه. ولا أحد يعلم كم مرّةً لم تغضض فيها بصرك عمّا حرّم الله، وأتبعتَ النظرةَ تلو النظرة. ولا عدد المرات التي مددتَ فيها يدك إلى ما لم يُحلّه الله لك. ولا عدد المرات التي سمعت فيها أذناك ما يغضب الله. ولا كم مرّةً خلوتَ فيها بمحارم الله فانتهكتَها كلّها دون أن تستحيي من نظر الله لك.

ولكنّك تعلمها! وربّك الله أعلم بها.

فاثبت، يرحمك الله، إذا جاءك نزغٌ من الشيطان الرجيم، واشتدّ في قلبك لهيب الشهوات. وتفكّر في قول رسول الله ﷺ:

«تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ، حتى يصيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا تضرُّه فتنةٌ ما دامتِ السمواتُ والأرضُ، والآخرُ أسودَ مُرْبَدًّا كالكوزِ مُجَخِّيًا، لا يعرفُ معروفًا، ولا يُنكرُ منكرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هواه».

فانظر أيَّ القلبين تريد! قلبًا أبيضَ مثلَ الصَّفا، أو قلبًا كالكوزِ مُجَخِّيًا!

وعُدَّ على قلبك ذنوبك كلّها ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وانكسر لربّك واخضع وأَنِب. وناجِ ربّك، ملءَ قلبك تضرّعًا وخُفيةً:

نفس

«يا ربّ! هذا قلبي بيدك، أنت وحدك تقلّبه كيفما تشاء. استودعتك إيّاه، يا من لا تضيع عنده الودائع. فاحفظه لي بحفظك، ولا تُزِغه عن الحقّ بعد هدى، ولا تُضلّه عن الصراط المستقيم، فأضلَّ وأزلَّ وأذلَّ وأشقى.

يا ربّ، اهدني الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم. فلا أُحرم جنّة الدنيا العاجلة ونعيمها ولذّة الروح الدائمة بلذّة معصية لحظيّة زائلة، تُبقي بعدها لهيب الحسرة والندامة.

يا ربّ، هذا أنا عبدك الفقير الذي يكتوي بلهيب الحياء من معاصيه، حتى أَرَّقت مضجعه كلّما تذكّرها. وهذا أنا الذي مزّقتُ قلبي بالذنب تلو الذنب، فأخيطه بالتوبة تلو التوبة، طمعًا في جنّتك ورضاك، وخوفًا من نارك وسخطك.

يا ربّ، هذا أنا الذي تعرفه، سبحانك، أنت وحدك، لا الذي يعرفه الناس. وقد صرعني الهوى مرّات، وزلّت قدمي بعد ثبوتها مرّات، وراودتني الوساوس وخواطر السوء مرّاتٍ ومرّات. أستجير بحولك وقوّتك، يا ذا القوّة المتين، وأنا عبدك الضعيف الذي لا حول له ولا قوّة إلا بك. فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين فتهلكني، ولا تُبعدني عنك، اللهم، فيتشرّد قلبي في طرقات الغيّ والضلال.

يا ربّ، هذا قلبي اجعله خالصًا لك، أنت وحدك. وهذه جوارحي اجعلها خادمةً لك، أنت وحدك. وهذا أنا، اجعلني وقفًا لك، أنت وحدك، ولا تجعل للشيطان منّي حظًّا ولا نصيبًا.

اللهمّ، أنت أنت، وأنا أنا. أنت الربّ الأعلى، وأنا العبد الأدنى. أعوذ بك من أن أنحدر في دركات الهالكين بعد أن عرّفتني بك، يا ذا الجلال والإكرام، فسيّرتني في مدارج السالكين. اللهمّ، إنّي أعوذ بك من أن أضلَّ أو أُضلَّ، أو أزلَّ أو أُزلَّ، أو أظلمَ أو أُظلمَ، أو أجهلَ أو يُجهلَ عليّ.

رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا.

اللهمّ، منّي الدعاء ومنك الاستجابة، ولا حول لي ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم».

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

ألا إنّ سلعة الله غالية! ألا إنّ سلعة الله الجنّة!

اللهمّ إنّي قد بلّغت. اللهمّ فاشهد.

ـــــــــ

[1] «الصَّفا»: وهو الحجر المرمر الأملس الذي هو في غاية البياض والصفاء، من شدّته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل، وأنّ الفتن لم تلصق به، ولم تؤثّر فيه، كالصَّفا.

[2] «لا تضرّه فتنةٌ ما دامت السموات والأرض»: جعل الله لهذا القلب بصيرةً يرى فيها بنور الله، فلا يختلط عليه الحقّ والباطل.

[3] «مُرْبَدًّا كالكوز مُجَخِّيًا»: والرُّبْدة لونٌ بين السواد والغُبرة، فأصبح القلب أسود كالرماد، وكالإناء المائل المنكوس؛ لا يستقرّ فيه شيء، ولا يعلق به خيرٌ ولا حكمة، فيخلو ويفرغ ممّا أُودع فيه من المعارف ومحاسن الأخلاق والآداب.

[4] لا يميّز بين المعروف والمنكر، ويخلط بينهما قصدًا وعمدًا. «إلا ما أُشرب من هواه»: إلا ما يتّبع فيه هواه؛ أن يجعل هذا معروفًا فيفعله، وهذا منكرًا فينكره، وإن خالف تمييزه هذا القواعد التي ينطلق منها الحقّ والباطل.

[1]، [2]، [3]، [4]: الدُّرر السنيّة.

للمزيد:
ما الحل مع النفس شديدة النفور، سريعة الفتور، متقلبة المزاج، كثيرة الالتفات؟
إلى أين يفرّ المرء من نفسه؟

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة