سياحة الأجساد أم غفلة القلوب؟

|

سياحة الأجساد أم غفلة القلوب؟
نظرة شرعية في فتنة الشواطئ ومزالق الترفيه

إن المتأمل في شريعة الإسلام يجد أنها لم تأتِ بمنع الإنسان من التمتع بما أحل الله، ولا بحرمانه من الراحة والتنزه، وإنما جاءت بتزكية النفس، وحماية القلب، وضبط الشهوات بضوابط العبودية؛ حتى تبقى النعمة نعمة، ولا تتحول إلى باب من أبواب الغفلة والمعصية.

والبحار من أعظم آيات الله في خلقه، فيها من الجمال والعظمة ما يوقظ القلب لمعرفة الخالق وتعظيمه، قال تعالى:﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾.

فالبحر في ذاته نعمة، والتنزه المباح ليس مذمومًا، وإنما الخطر حين تتحول بعض الأماكن إلى مواطن تُضعف الحياء، وتفتح أبواب الفتنة، وتُنسي العبد مراقبة الله.

لقد ابتُليت بعض المجتمعات اليوم بمفهومٍ خاطئ للحرية؛ فأصبحت عند بعض الناس تعني التحرر من كل قيد، ولو كان القيد أمر الله ونهيه. وصار اتباع الشهوة يسمى حرية، والتساهل في حدود الله يسمى انفتاحًا، مع أن الحرية الحقيقية هي تحرر القلب من عبودية الهوى ليكون عبدًا لله وحده.

ومن صور الفتنة التي تظهر في بعض الشواطئ: الاختلاط الذي تضيع معه الضوابط الشرعية، والتساهل في كشف العورات، وإطلاق الأبصار فيما لا يحل، وإظهار الزينة في غير موضعها، حتى غدت بعض المشاهد مما يجرح حياء المؤمن ويؤثر في صفاء قلبه.

قال الله تعالى:﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾.

فغض البصر ليس مجرد كفٍّ للنظر، بل هو حفظ للقلب من التعلق بما لا يرضي الله ومن الغفلة، وتربية للنفس على التقوى والمراقبة؛ فما يدخل إلى القلب عن طريق العين قد يترك أثرًا عميقًا لا يشعر به الإنسان إلا بعد حين.

ومن المؤسف أن بعض النساء قد يحرصن على جانب من الستر، ثم يتساهلن في جوانب أخرى؛ فتجد من ترتدي الحجاب ثم تقصد أماكن لا تُصان فيها حرمته، أو تنزل إلى البحر بلباس لا يحقق مقصود الشرع من الستر والعفاف أمام الرجال الأجانب.
فالحجاب ليس عادة اجتماعية، ولا مظهرًا خارجيًا مجردًا، بل هو عبادة وطاعة، وتعظيم لأمر الله، ودليل على حياء القلب قبل ستر الجسد.

وكذلك الرجل المسلم مأمور بالعفة والحياء، وليس الأمر خاصًا بالنساء؛ فهو مطالب بغض البصر، وحفظ العورة، وصيانة نفسه عن مواطن الفتنة.
ومن هنا يظهر دور الأسرة؛ فإن مسؤولية حفظ الدين وصيانة الحياء لا تقع على الفرد وحده، بل هي أمانة في أعناق من استرعاهم الله على أهليهم.

فالأب ليس مجرد من يوفر الطعام واللباس، بل هو راعٍ ومسؤول عن رعيته، قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». ومن الغيرة المحمودة أن يحفظ الرجل أهل بيته، وأن يغار على حرمات الله، وألا يرضى أن تكون زوجته أو ابنته أو من يعولها في موضع تُنتهك فيه حدود الله، أو تُعرَّض فيه للفتنة.
والغيرة التي يحبها الله ليست تحكمًا ولا ظلمًا، وإنما هي محبة للستر، وحرص على الطهارة، وخوف على من استأمنه الله عليهم. أما ضعف الغيرة حتى يرى الإنسان المنكر في أهل بيته ثم لا يحرك ساكنًا، فمن دلائل ضعف الإيمان.

وللأم كذلك دور عظيم؛ فهي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها حياء الأبناء والبنات، وهي التي تغرس في بناتها أن العفة رفعة لا تضييق، وأن الحياء جمال لا تخلف، وأن رضا الله مقدم على رضا الناس.
فالأم الواعية لا تربي أبناءها على سؤال: ماذا يفعل الناس؟ بل تعلمهم أن يسألوا: ماذا يحب الله؟ ولا تجعل كثرة انتشار الخطأ سببًا لقبوله.

إن أخطر ما في هذه الفتن ليس مجرد الوقوع في المعصية، بل أن يألفها القلب حتى لا يعود ينكرها؛ فمن أعظم العقوبات أن يصبح المنكر مألوفًا، وأن يغدو الحياء غريبًا.

قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾.

فالشيطان لا يبدأ بإسقاط الإنسان في أعظم الذنوب، وإنما يسلك معه طريق التدرج؛ يهون عليه الخطوة الأولى، ثم يزين الثانية، حتى يصبح ما كان يستحي منه بالأمس أمرًا مألوفًا اليوم.

ولهذا لا يجعل المؤمن ميزانه ما يفعله الناس، ولا ما ينتشر بينهم، وإنما يجعل ميزانه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ فالكثرة ليست دليلًا على الحق، والشهرة ليست علامة على الرضا.

قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

إن المسلم حين يقصد أماكن الترفيه لا يترك دينه عند الباب، بل يدخل بقلب يراقب الله، وعينٍ مأمورة بغض البصر، وجوارح يعلم أنه سيقف بين يدي الله فيُسأل عنها.
فليست السعادة أن يفعل الإنسان كل ما يشتهي، وإنما السعادة أن يملك نفسه لله، وأن يترك ما يضره وإن رغبت فيه نفسه.
فيا من تطلب الراحة على الشواطئ، تذكر أن راحة الجسد ساعة، أما أثر الذنب فقد يلبث في القلب زمنًا طويلًا.
وتذكر أن البحر قد يكون عند المؤمن بابًا للتفكر في عظمة الخالق، وقد يكون عند الغافل بابًا للغرق في فتنة المخلوق.

فاجعل نعمة الله طريقًا إليه، لا حاجزًا عنه.
فالعبرة ليست: أين ذهبت؟ ولا كم استمتعت؟ ولا كم أعجب الناس بما صنعت؟
وإنما العبرة بالسؤال الذي يبقى بعد انقضاء الرحلة:

  • ماذا بقي في قلبك بعد العودة؟
  • هل عدت بقلب أقرب إلى الله؟
  • أم عدت بقلب أثقلته آثار ما رأى وسمع؟

فالسعيد من جعل دنياه زادًا لآخرته، واستعمل نعم الله فيما يقربه من ربه، والخاسر من جعل ما سخره الله له سببًا للبعد عنه.
فالبحر سيبقى آيةً من آيات الله…

  • لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في القلب ليس: كيف استمتعت بجماله؟
  • بل: هل زادك جمال الخَلْق معرفةً بجلال الخالق؟


النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة