التصدُّر لمناقشة الملحدين قبل الاستعداد

|

إنَّ الدفاع عن الإسلام وإزالة الشبهات عن الناس من الأعمال الجليلة، غير أن الغيرة على الدين لا تعني أن يتصدّر كل أحد لمناقشة الشبهات والرد عليها دون علمٍ وتأهُّل؛ فإن الكلام في مسائل العقيدة من أعظم أبواب المسؤولية، والخطأ فيها قد لا يقف أثره عند صاحبه، بل قد يمتد إلى من يستمع إليه.

وقد نهى الله تعالى عن القول بغير علم فقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، وقال سبحانه في بيان عِظم خطر القول عليه بغير علم: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّیَ ٱلۡفَوَ ٰ⁠حِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡیَ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ یُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَـٰنࣰا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣]

فالمسلم مأمور بالتثبت، ولا يجوز له أن يتكلم فيما يجهله، ولا أن ينسب إلى الإسلام جوابًا لم يتأكد من صحته. وإذا عرضت له مسألة لا يعلمها، فالواجب أن يرجع إلى أهل العلم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

وتزداد خطورة التصدّر غير المؤهل في مناقشة الملحدين؛ لأن الطرف الآخر قد يطرح شبهة فلسفية أو علمية أو تاريخية دقيقة، فإذا عجز المحاور عن الجواب أو قدّم جوابًا ضعيفًا، فقد يتوهم السائل أن ذلك ضعف في الإسلام، مع أن الضعف إنما كان في علم المتحدث واستعداده. بل قد يؤدي الحوار العشوائي إلى نقل شبهات لم تكن معروفة لدى الطرف الآخر أو الحاضرين، فيكون المقصود من إزالة الشبهة قد انقلب إلى نشرها.
ومع ذلك، فالإسلام لا يمنع الحوار ولا المجادلة مطلقًا، بل أمر بها عند الحاجة، ولكن بضوابطها، فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
فالمجادلة المشروعة تقوم على العلم والحكمة وحسن الأسلوب، وليست ميدانًا لإثبات الذات أو الانتصار للنفس. وقد حذّر النبي ﷺ من الجدل الذي يصدّ عن الحق فقال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» رواه الترمذي.

ولهذا ينبغي لمن أراد التصدي لهذه الشبهات أن يتزود أولًا بالعلم الشرعي والعقدي، وأن يدرس أصول الإيمان وأدلة وجود الخالق وصدق النبوة وحجية القرآن، وأن يتعرف على الشبهات المعاصرة ويفهم أصولها قبل محاولة الرد عليها، مع التحلي بالحلم والصبر وضبط النفس. وليس من العيب أن يقول الإنسان: «لا أعلم»؛ بل ذلك من الأمانة العلمية، وهو خير من أن يتكلف جوابًا لا علم له به.

فالمقصود ليس أن يخاف المسلم من الشبهات أو يعجز عن الدفاع عن دينه، وإنما أن يعرف قدر نفسه، وأن يفرّق بين محبة نصرة الحق وبين القدرة على نصرة الحق. فقد يكون الإنسان شديد الغيرة على دينه، لكنه لم يحصّل بعدُ الأدوات العلمية التي تمكّنه من المناظرة. ولذلك فإن من الحكمة أن يتعلم قبل أن يتصدر، ويتثبت قبل أن يجيب، ويرجع إلى أهل الاختصاص فيما أشكل عليه.

وخلاصة الأمر: أن نصرة الدين لا تكون بكثرة الكلام، وإنما بالعلم والبصيرة والحكمة، فلا يتصدر الإنسان لمناقشة ما يجهله، ولا يدخل باب الشبهات إلا بزادٍ من العلم، وحسن قصد، وحكمة، وقدرة على التمييز بين الحق والباطل.

للمزيد:
الإلحاد والمنطق: تفكيك شيفرة الملحد في النقاشات
فتنةُ الأنصاف

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة