هل اكتشاف السبب الطبيعي للزلازل ينفي ما أخبر به الوحي؟
تتكرر اليوم شبهة قديمة في ثوب جديد، خلاصتها: أن إثبات الأسباب الطبيعية ينفي ما جاء به الوحي، فيقال ساخرًا:
“تدرس أربع سنين في الجيولوجيا، ثم تكتشف أن الزلازل سببها الذنوب!”
وهذه العبارة لا تدل على تعارض بين العلم والدين، وإنما تدل على الخلط بين نوعين من الأسباب، وهو خلط نشأ عن النظرة المادية التي حصرت المعرفة فيما تدركه المختبرات، وجعلت السبب المادي آخر ما ينتهي إليه العقل.
فالجيولوجيا تبحث في كيف يقع الزلزال، أما الوحي فيبين لماذا قدَّره الله، وما الحكمة من وقوعه. وبين السؤالين بون بعيد.
فحركة الصفائح الأرضية سبب كوني خلقه الله، كما أن النار سبب للإحراق، والماء سبب للري، والدواء سبب للشفاء، وكلها أسباب جعلها الله تجري وفق سننه في الكون.
أما الحكمة من وقوع الزلزال في زمان دون زمان، أو مكان دون مكان، فهذه ليست من اختصاص الجيولوجيا، بل من علم الغيب الذي لا يُعلم إلا بالوحي.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
وقال سبحانه:
﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
فالقرآن لم ينفِ وجود الأسباب الكونية، وإنما كشف ما وراءها من الحكم والمقاصد.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أصلًا عظيمًا فقال:
“الأسباب التي جعلها الله أسبابًا لا يجوز نفيها، كما لا يجوز أن يجعل ما ليس بسبب سببًا”.
وهذا من أجلِّ قواعد أهل السنة؛ فلا ينكرون الأسباب كما فعلت بعض الفرق، ولا يجعلون الأسباب مستقلة بالتأثير كما فعل أهل الإلحاد، بل يعتقدون أن الله هو خالق السبب والمسبب، وخالق القانون الكوني ومن أجراه به.
وقال أيضًا -رحمه الله-:
“الالتفات إلى الأسباب: شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية: قدح في الشرع”.
فمن جعل حركة الصفائح هي الفاعل المستقل فقد غلا في الأسباب، ومن أنكرها بالكلية فقد خالف الحس والعقل، وأما المؤمن فيؤمن بأن الله خلق الأسباب، وجعلها تجري بمشيئته، ولا يخرج شيء في الكون عن إرادته سبحانه.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:
هل الزلزال بسبب حركة الصفائح أم بسبب الذنوب؟
بل السؤال الصحيح:
كيف يقع الزلزال؟ فتجيب الجيولوجيا: بسبب حركة الصفائح.
ولماذا قدَّره الله؟ فيجيب الوحي: قد يكون ابتلاءً، أو عقوبةً، أو تخويفًا، أو رحمةً، أو لحكمة يعلمها الله.
أما الجزم بأن كل زلزال عقوبة بسبب الذنوب فليس لأحد أن يقوله؛ لأن تعيين الحكمة في حادثة بعينها يحتاج إلى وحي. لكن إنكار أن تكون الزلازل آيات يخوِّف الله بها عباده، أو أن للذنوب أثرًا في نزول المصائب على وجه العموم، فهو ردٌّ للنصوص المحكمة.
فالجيولوجيا لا تفسر إلا آلية الحدث، أما القرآن فيكشف غاية الحدث وحكمته، ولا تعارض بين بيان الآلية وبيان الحكمة، وإنما التعارض في العقول التي جعلت المادة آخر حدود المعرفة، وظنت أن ما لم يره المجهر أو يقسه الجهاز فلا حقيقة له.
والله أعلم.
للمزيد:
الزلزال آية من آيات الله جل جلاله
حدود الله… كيف هانت على القلوب؟!









