سلسلة تعاملات النبي ﷺ مع أهله من كتاب “كيف عاملهم ﷺ” ج1: حكمة النبي ﷺ في التعامل مع غيرة زوجاته -رضي الله عنهن-
فإن غيرة المرأة على زوجها هي طبيعة من طبائع الأنوثة التي فطرت عليها.
وفي بعض الآثار : «إنَّ الله كتب الغيرة على النساء».
فالغيرة جزء من طبيعة المرأة وخلقتها، وكان نساء النبي ﷺ يغرن عليه.
عن عائشة رضي الله عنها : أنَّ رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلاً، قالت: فغرت عليه [أي:اضطربت أفعالي وتغيرت أحوالي ] ، فجاء فرأى ما أصنع ، فقال: «ما لكِ يا عائشة، أغرت؟»، فقلت : وما لي لا يغار مثلي على مثلك ؟ فقال رسول الله ﷺ : «أقد جاءك شيطانك؟» ، قالت : يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: «نعم» ، قلت : ومع كل إنسان؟ قال: «نعم»، قلت : ومعك يا رسول الله؟ قال: «نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم.
وفي قصة أخرى نرى أن الغيرة تدفع أم المؤمنين عائشة إلى أن تمشي وراء النبي ﷺ لترى أين يذهب، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويداً، وانتعل رويداً، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويداً ) ، فجعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتقنعتُ إزاري، ثم انطلقت على إثره، حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثمَّ انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت [الإحضار: العدو]، فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت، فدخل فقال: «ما لك يا عائش حشيا رابية ؟ ) ، قلت : لا شيء، قال: «لتخبريني، أو ليخبرني اللطيف الخبير».
قلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته، قال: «فأنتِ السواد الذي رأيتُ أمامي؟»، قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال: «أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله ؟ ) ، فإن جبريل أتاني حين رأيت، فناداني، فأجبته، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي، فقالَ : إِنَّ رَبِّكَ يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قلتُ: كيف أقولُ لهم يا رسول الله؟ قال: «قولي: السّلامُ على أهلِ الدّيارِ من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ للاحقون».

فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالرغم مما كانت تعرفه من مكانتها من قلب رسول الله ﷺ كانت تغارُ عليه من سائر زوجاته، بل كانت تغارُ ممن ماتت من نسائه، فكانت تقول: «ما غرتُ على امرأة ما غرتُ على خديجة».
وكان النبي ﷺ حكيماً في معاملته مع نسائه إذا لاحظ عليهن الغيرة، ولم يكن يفعل ما يفعله بعض الناس اليوم، فمن الناس من إذا لاحظ على زوجته غيرة نهرها، وزجرها، ونهاها أن تسأل عما يفعلُ ؛ فتكبر بذلك المشكلة، وتزدادُ غيرة الزوجة، ويزداد شكّها؛ وذلك نتيجة سوء تصرف الزوج في مثل هذه المواقف، وفقدانه للحكمة التي ينبغي أن يتعلمها من رسول الله ﷺ.
فكان رسول الله ﷺ يقابل هذه الغيرة تارةً بابتسامة، وتارة بتوجيه لين، وتارةً بعتاب إذا مس الأمر غيره.
عن أنس بن مالك والله عنه قال : كانَ النّبيُّ ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى
أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم؛ فسقطت الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة، ثمَّ جَعَلَ يجمعُ فيها الطَّعامَ الَّذِي كَانَ في الصحفة، ويقولُ: «غَارتْ أُمُكم»، ثمَّ حبس الخادم حتى أتي بصحفةٍ مِنْ عِندِ الَّتِي هِوَ في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي
كسرت.
ففي هذه القصة دلالة على رفقه بأهله، فلم ينهر التي كسرت القصعة، ولم يغضب منها، ولم يقل لها كلمة، بل التمس لها العذر، وفي نفس الوقت لم يبخس حق التي كسرت قصعتها، وإنما ضمن لها مثلها.
قال ابن حجر رحمه الله: «فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها؛ لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوباً بشدّة الغضب الذي أثارته الغيرة.
وينكر عليها ما قد يقع منها من لفظ غير مستساغ في حق ضرتها:
عن عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها قالت: قلتُ للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا – تعني : قصيرة –
فقال : لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر؛ المزجته». أي: غلبته، وغيرته، وأفسدته.
والمعنى: أنَّ هذه الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر ؛ لغيرته عن حاله، مع كثرته وغزارته، فكيف بأعمال نزرة خلطت بها؟
للمزيد:
شبهة زواج رسول الله ﷺ من السيدة عائشة -رضي الله عنها-
كيف تتعامل المرأة مع جمالها بلا إفراط ولا تفريط؟










