القول على الله بغير علم أصل كل انحراف في تفسير القرآن

|

سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 16: القول على الله بغير علم أصل كل انحراف في تفسير القرآن.

الحمد لله الذي أنزل كتابه هدىً للناس، وجعله نورًا وشفاءً ورحمة للمؤمنين، وأمر بتدبره على بصيرة، ونهى عن القول عليه بغير علم، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وترك أمته على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك.

أما بعد:

فإن أعظم ما يُبتلى به الناس في باب تفسير القرآن أن يتجرأ المرء على كلام الله بغير سلطان، فيتكلم فيما لم يعلم، وينسب إلى الله مرادًا لم يدل عليه كتاب ولا سنة، ولا عرفه أصحاب رسول الله ﷺ.

وليس هذا ذنبًا يسيرًا، بل هو من أعظم أبواب الضلال؛ لأن المتكلم لا ينسب قوله إلى نفسه، وإنما يجعله مرادًا لله عز وجل، فيقول على الله ما لم يقله.

ولهذا تأمل كيف رتب الله المحرمات في قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].

فختم سبحانه أعظم المحرمات بالقول عليه بغير علم، لأن الشرك نفسه إنما نشأ من القول على الله بغير علم، والبدع إنما نشأت من القول على الله بغير علم، وتحريف النصوص إنما نشأ من القول على الله بغير علم.

ولذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
“القول على الله بلا علم هو أشد المحرمات، وهو أصل الشرك والكفر والبدع والضلالات.”

فكل انحراف في فهم الوحي، قديمًا أو حديثًا، يرجع في حقيقته إلى هذا الأصل.

كيف يُفسَّر القرآن؟

لم يترك الله هذا الباب لأذواق الناس، ولا لعقولهم، ولا لثقافاتهم، بل جعل له أصولًا تحفظه من التحريف.

فلا يجوز تفسير القرآن إلا بما يأتي:

  • تفسير القرآن بالقرآن.

فإن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وما أجمل في موضع بُيّن في موضع آخر.

  • تفسيره بالسنة الصحيحة.

لأن النبي ﷺ هو المبين لكلام ربه، كما قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾.

  • تفسيره بفهم الصحابة رضي الله عنهم.

فهم أول من تلقى القرآن، وأعلم الأمة بأسباب نزوله، ولسان العرب، ومراد رسول الله ﷺ.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
“من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.”

  • الرجوع إلى لسان العرب الذي نزل به القرآن.

قال تعالى:
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.

فكل تفسير يخرج عن هذه الأصول الأربعة، فهو مردود على قائله، مهما زخرفه بالألفاظ، أو نسبه إلى الاكتشافات، أو سماه إعجازًا.

لماذا ضل أهل الباطل؟

لأنهم تركوا هذه الأصول.

  • فصاروا يفسرون القرآن بالفلسفة.
  • وبالمنطق.
  • وبرموز الحضارات.
  • وبالإشارات الباطنية.
  • وبالأرقام.
  • وبالنجوم.
  • وبالطاقة.
  • وبالأساطير.

ثم يزعمون أن ذلك هو الفهم الصحيح الذي غاب عن الصحابة والسلف.
وهذه دعوى في غاية الخطورة؛ لأنها تتضمن اتهام خير القرون بأنهم لم يفهموا كتاب الله كما ينبغي.

ولو كان هذا حقًا، لكان أولى الناس بمعرفته رسول الله ﷺ، ثم أصحابه، لا قوم ظهروا بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا.

قاعدة لا ينبغي أن تغيب

كل تفسير للقرآن يدّعي صاحبه أنه اكتشف معنى لم يعرفه النبي ﷺ، ولا أصحابه، ولا أئمة الإسلام، فعلى المسلم أن يقف منه موقف الريبة حتى يطالب صاحبه بالدليل.

  • فإن جاء بالدليل قبلناه.
  • وإن جاء بالفلسفة، أو الرموز، أو التشابهات الشكلية، أو الظنون، أو الأساطير، رددنا قوله غير مترددين؛ لأن الدين لا يُبنى على الخيال، وإنما يُبنى على الوحي.

إن القرآن محفوظ بحفظ الله، وليس بحاجة إلى من يربطه بعقائد الفراعنة، أو فلسفات اليونان، أو إشارات الباطنية، أو نظريات الطاقة، حتى يُفهم.

  • بل هو كما وصفه ربه: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾.
  • وهو كما بلغه رسوله ﷺ.
  • وكما فهمه أصحابه.
  • وكما تلقته الأمة جيلًا بعد جيل.

فمن أراد الهدى فليلزم هذا الطريق، ومن التمسه في غيره فلن يزداد إلا بعدًا عن الحق، ولو أعجبته زخارف الأقوال وحسن العبارات.

فالحق لا يُعرف بغرابة التفسير، وإنما يُعرف بصحة الدليل، وسلامة المنهج، وموافقة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.وأقترح أن نجعل هذا الباب كله قائمًا على قاعدة واحدة تتكرر في كل فصل، حتى تترسخ في ذهن القارئ، وهي:

“كل تفسير للقرآن خرج عن فهم الصحابة ولسان العرب والدليل الصحيح، فهو مردود، مهما زخرفه أصحابه، ومهما ألبسوه ثوب الإعجاز أو الأسرار.”

للمزيد:
مجالس تدارس القرآن: الفاتحة

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة