“الرقية الشرعية”: وقفة عقدية مع دعاوى لا زمام لها من الوحي

|

سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 19: “الرقية الشرعية”: وقفة عقدية مع دعاوى لا زمام لها من الوحي

ليس كل ما يُنسب إلى الرقية الشرعية يكون من الرقية، وليس كل ما يتناقله الرقاة أو يرويه السحرة التائبون يصلح أن يُجعل دينًا أو منهجًا للتشخيص والعلاج. فباب الرقية بابٌ تعبدي، والأصل فيه التوقيف، فلا يُثبت منه شيء إلا بدليل صحيح من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ، وما سوى ذلك فمردود على قائله مهما كثر ناقلوه أو اشتهر بين الناس.

رقية

ومن أخطر ما تضمنه هذا المقال أنه جعل اعترافات السحرة وتجارب بعض الرقاة أصلًا تُبنى عليه الأحكام والتشخيصات، مع أن مصادر التلقي في الإسلام معلومة لا تتجاوز الوحي. أما أخبار السحرة والجن فليست حجة، بل قد امتلأت النصوص بالتحذير من تصديقهم؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال للصحابي في شأن الشيطان:
«صدقك وهو كذوب». فإذا كان الشيطان قد يصدق مرة وهو موصوف بالكذب، فكيف تُبنى على أخباره قواعد عامة، ويُجعل كلامه أصلًا في معرفة الغيب وتشخيص الأمراض؟

ومن أعظم ما يُؤخذ على هذا الطرح ربطُ أنواع السحر بأيام الأسبوع، فيُقال: هذا يوم التعطيل، وذاك يوم الغضب، وآخر للوسوسة أو التفريق. وهذا من الدعاوى التي لا يشهد لها كتاب ولا سنة، ولم يُعرف عن الصحابة ولا عن أئمة الإسلام، وإنما هو من جنس ما اشتهرت به مدارس التنجيم قديمًا من ربط الأيام والكواكب بطبائع الناس وأحداث حياتهم، وهو مسلك غريب عن منهج الرقية الشرعية التي جاءت مبناها على الوحي لا على الظنون.

وكذلك زعم أن الأعراض تشتد في أيام معينة من الأسبوع، أو أن السحر يهيج عند اكتمال القمر في الليالي البيض، فكل ذلك من القول على الله بغير علم. فلم يثبت عن النبي ﷺ، ولا عن أحد من السلف، أن للسحر ارتباطًا بهذه الأزمنة، وإنما هي دعاوى متداولة لا مستند لها، تُشبه ما تروجه كتب التنجيم والطب الشعبي أكثر مما تُشبه كلام أهل العلم.

ومن الدعاوى التي لا دليل عليها أيضًا تقسيم السحرة إلى سحرةٍ فلكيين، وسحرة للشمس، وآخرين للنجوم، وربط أعمالهم بما يسمى بالساعات الذهبية أو ساعات التأثير. فمع أن السحر ثابت بنصوص الوحي، إلا أن تفاصيله الغيبية لا تُعرف إلا بدليل. أما هذه التقسيمات الدقيقة، وما يُبنى عليها من أحكام، فلم ترد في كتاب ولا سنة، ولا يعرفها أهل العلم المعتبرون، وإنما هي مجرد اصطلاحات لا يجوز نسبتها إلى الشرع.

كما أن جعل صراخ المريض أو انفعاله عند قراءة كلمات معينة دليلًا على إصابة موضع السحر، أو دليلًا على نوعه، هو استنتاج لا يقوم على برهان. فالإنسان قد يتأثر نفسيًا، أو ينفعل خوفًا، أو يصاب بتوتر أو نوبة هلع، أو تظهر عليه أعراض عضوية معروفة، وكل ذلك لا يسوغ الجزم بأنه أثرٌ للسحر أو الجن، فضلًا عن تحديد موضعه أو نوعه.

ومثله الادعاء بأن احمرار العين، أو نبض الرقبة، أو كثرة التعرق، أو تشنج الأصابع، علامات قطعية لا يمكن تزييفها، وأنها دليل على وجود الجن. وهذا إطلاق لا يصح؛ فهذه استجابات فسيولوجية معروفة قد تنتج عن الخوف، أو القلق، أو الإجهاد، أو الأمراض العصبية والنفسية، فلا يجوز اتخاذها أدلة شرعية على أمور غيبية.

ويزداد الأمر خطورة عندما يُحدد للرقية أوقات مخصوصة، ويُقال إنها الساعات الذهبية التي تشتد فيها قوة الشياطين أو تضعف، أو يُزعم أن للشياطين أوقاتًا تضخ فيها قوتها. فهذه كلها دعاوى غيبية لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز الجزم بشيء منها دون وحي؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]. والغيب بابٌ مغلق، لا يُفتح بالرؤى، ولا بالتجارب، ولا بحكايات السحرة، ولا باستحسانات الرقاة.

والواجب على المسلم أن يميز بين ما أثبته الشرع وما أُضيف إليه من الظنون. فنحن نؤمن بوجود السحر، ونؤمن بمشروعية الرقية، ونعلم أن الشفاء بيد الله وحده، لكننا في الوقت نفسه نرفض كل ما أُلحق بهذا الباب من تصورات لا أصل لها، لأن الدين لا يُؤخذ بالتجارب، ولا بالمنامات، ولا بالقصص المتداولة، وإنما يُؤخذ من الوحي المعصوم.

خلاصة الكلام:

إن هذا المقال قد مزج بين حقٍ ثابت وباطلٍ محدث؛ فأثبت ما أثبته الشرع من وجود السحر والرقية، ثم بنى فوق ذلك منظومة كاملة من التشخيصات، والأوقات، والأيام، والتقسيمات، والعلامات، اعتمادًا على تجارب البشر، وحكايات السحرة، وبعض المفاهيم المتأثرة بالتنجيم، لا على الوحي المنزل. وهذا منهج لم يعرفه السلف، ولا يجوز أن يُنسب إلى الرقية الشرعية، بل الرقية المشروعة قائمة على القرآن الكريم، والأذكار الثابتة، والدعاء، وحسن التوكل على الله، مع اجتناب كل دعوى غيبية لم يقم عليها دليل من كتاب أو سنة.

للمزيد:
الرقية الشرعية!

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة