بيتكِ أمانة فلا تضيعيه4

|

وهنا نستكمل معكم الجزء الرابع من مقال” بيتكِ أمانة فلا تضيعيه”

دور القدوة في بناء البيت المؤمن

إن من أعظم ما يؤثر في صلاح البيوت: القدوة الحسنة، فالكلمات قد تُنسى، لكن الأفعال تبقى في القلوب، والأبناء يتعلمون مما يرونه في أهلهم أكثر مما يسمعونه منهم.

فالوالدان إذا كانا يعظمان الله أمام أبنائهما، ويحافظان على الصلاة، ويحرصان على الصدق والأمانة، نشأ الأبناء وهم يرون الإيمان واقعًا حيًّا في حياتهم، لا مجرد كلمات تُقال.

والأب المؤمن لا يربي أبناءه بالأوامر فقط، بل يربيهم بحسن معاملته، وصبره، ورحمته، وقيامه بمسؤوليته، فيتعلم الأبناء معنى القوامة الحقيقية التي تقوم على الرعاية والرحمة والخوف من الله.

وكذلك الأم الصالحة تكون قدوةً في عبادتها وأخلاقها وصبرها، فيرى أبناؤها أثر الإيمان في سلوكها، فيتعلقون بالطاعة محبةً واقتناعًا، لا خوفًا وإجبارًا.

ومن صور القدوة في البيت: الاعتذار عند الخطأ، والعفو عند المقدرة، واحترام الآخرين، وضبط الغضب، فإن هذه الأخلاق تربي النفوس على معاني الإيمان أعظم من كثير من المواعظ.

كما أن اجتماع الأسرة على الطاعات، ورؤية الأبناء والديهم يذكرون الله، ويقرؤون القرآن، ويحرصون على الخير، يجعل هذه الأعمال مألوفة في حياتهم، فتكون جزءًا من شخصياتهم عندما يكبرون.

وقد كان النبي ﷺ أعظم قدوة لأصحابه وأمته، فقد كانت حياته ترجمةً عمليةً لدين الله، فتعلموا منه العبادة والأخلاق والمعاملة قبل أن يتعلموا كثرة الكلام.

فالبيت الذي يرى فيه الأبناء الإيمان مجسدًا في أهلهم، يكون أقدر على غرس الخير في نفوسهم، لأن القدوة تفتح القلوب، وتُثبت المعاني، وتجعل الطاعة أمرًا محبوبًا وسهلًا.

ولهذا فإن أعظم ما يتركه الوالدان لأبنائهما ليس كثرة المال، وإنما أثر صالح يبقى بعد رحيلهما، وذكرى طيبة تحملهم على طاعة الله، فيكون صلاحهم امتدادًا لخيرٍ زرعه أهلهم في قلوبهم.

أثر الدعاء في صلاح البيت المؤمن

من أعظم أبواب الخير التي لا يستغني عنها أهل البيت المؤمن: باب الدعاء، فبالدعاء تستمد القلوب عونها من الله، وتطلب منه الصلاح والهداية والثبات، فإن صلاح البيوت بيد الله وحده، وهو سبحانه مقلب القلوب ومصلح الأحوال.

وقد علّمنا القرآن أن ندعو لأنفسنا وأهلينا، فقال الله تعالى على لسان عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، فهذا دعاء جامع يسأل فيه المؤمن صلاح الأسرة، وأن تكون سبب سعادة في الدنيا والآخرة.

والدعاء للأهل من علامات المحبة الصادقة، فالوالد الصالح لا يكتفي بتربية أبنائه بالأسباب الظاهرة، بل يرفع يديه إلى الله طالبًا أن يحفظ قلوبهم، ويثبتهم على الحق، ويجعلهم من عباده الصالحين.

ومن جمال الدعاء أنه يصلح ما تعجز عنه الوسائل، فقد يبذل الإنسان جهده في النصح والتربية، ثم يبقى قلب العبد بين يدي الله، فيلجأ إليه ويسأله الهداية والتوفيق.

كما أن الدعاء يعلّم أهل البيت معنى الافتقار إلى الله، فلا يعتمدون على أنفسهم أو قدراتهم، وإنما يعلمون أن النعمة لا تدوم إلا بحفظ الله، وأن الاستقامة تحتاج إلى توفيقه سبحانه.

ومن أعظم ما يحرص عليه أهل البيت: الدعاء عند اجتماعهم، وفي أوقات الإجابة، وفي خلواتهم، وأن يدعو بعضهم لبعض بالخير، فإن الدعاء بظهر الغيب من أسباب المحبة وزيادة الألفة.

فالبيت الذي تكثر فيه الأيدي المرفوعة إلى الله، والقلوب المتوجهة إليه، بيتٌ تحفه الرحمة، وتُرجى له البركة، لأن أهله علموا أن مفاتيح القلوب ليست بأيديهم، وإنما بيد من خلقها وسواها.

وما أجمل أن ينشأ الأبناء وهم يسمعون دعاء والديهم لهم، فيشعرون أنهم موضع رحمة واهتمام، فيزداد تعلقهم بالخير، ويكبرون وهم يحملون في قلوبهم أثر ذلك الدعاء المبارك.

فالدعاء روح البيوت المؤمنة، به تستمد قوتها، وبه تطلب ثباتها، وبه تبقى الأسرة متعلقة بربها في كل أحوالها.

أثر القرآن في بناء البيت المؤمن

إذا كان الإيمان هو أساس صلاح البيوت، فإن القرآن هو النور الذي يضيء هذا الأساس، فهو كلام الله الذي تحيا به القلوب، وتستقيم به النفوس، وتطمئن به الأرواح.

فالبيت الذي يُتلى فيه القرآن ليس كغيره من البيوت، لأن آيات الله تُذكّر أهله بعظمة خالقهم، وتربط قلوبهم بالآخرة، وتعينهم على الثبات أمام فتن الدنيا وشهواتها.

قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فالقرآن شفاء للقلوب من أمراض الشبهات والشهوات، ورحمة تسكن بها النفوس وتطمئن بها الصدور.

ومن أعظم آثار القرآن في البيت: أنه يجمع القلوب على طاعة الله، فعندما تجتمع الأسرة على تلاوة كتاب الله أو تدبر آية منه، تنشأ بينهم رابطة إيمانية أعظم من روابط الدنيا.

والأبناء الذين ينشؤون في بيت يسمعون فيه القرآن، ويتعلمون معانيه، ويرون أثره في أخلاق والديهم، يكون القرآن عندهم نورًا ومنهجًا، لا مجرد كلمات تُحفظ دون فهم أو عمل.

كما أن القرآن يربي الأسرة على الأخلاق العظيمة؛ فيعلمهم الصبر، والعفو، والرحمة، والصدق، والإحسان، ويذكرهم بعاقبة الظلم والمعصية، فيكون لهم ميزانًا يرجعون إليه في حياتهم.

وليس المقصود أن يكون القرآن حاضرًا في أصوات التلاوة فقط، بل أن يظهر أثره في المعاملة، فيكون أهل البيت أرحم ببعضهم، وأصدق في أقوالهم، وأحرص على رضا الله في أقوالهم وأفعالهم.

ومن بركة القرآن أن يكون سببًا لطرد الغفلة عن البيت، وإحياء القلوب بعد قسوتها، وربط الأسرة بربها في زمن كثرت فيه الملهيات والصوارف.

فطوبى لبيتٍ جعل القرآن أنيسه، ولأسرةٍ جعلت كلام الله قائدها، فإن القرآن لا يبني حافظًا فقط، بل يبني إنسانًا يعرف ربه، ويهتدي بهديه، ويعيش في الدنيا بقلبٍ متعلق بالآخرة.

– جويرية

ولقراءة المقال الثالث من هنا..

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة