تعامل النبي ﷺ مع أقاربه

|

كان النبي ﷺ أرعى الخلق لقريب، وأحناهم على رحم، وأكثرهم إحساناً إلى أهل، شهد المخالطون له بذلك، فوصفه واصفهم بأنه كان: «أبر الناس، وأوصل الناس»

وكان له من الأعمام:

أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، والعباس، وأبو طالب واسمه عبد مناف، وأبو لهب واسمه عبد العزى، والزبير، وعبد الكعبة، والمقوم، وضرار، وقثم والمغيرة ولقبه حجل، والغيداق واسمه مصعب، وقيل: نوفل، والحارث، وجعل بعضهم الحارث والمقوم واحدا.

وأسن أعمامه الحارث، وأصغرهم سناً: العباس.

ولم يدرك الإسلام من أعمامه إلا أربعة أبو طالب، وأبو لهب، وحمزة، والعباس، وأسلم منهم اثنان فقط : حمزة والعباس رضي الله عنهم.

وأما عماته، فستة:

صفية أم الزبير بن العوام، وعاتكة، وبرة، وأروى، وأميمة، وأم حكيم البيضاء.

أسلم منهن صفية، واختلف في إسلام عاتكة، وأروى.

وأما أبناء عمه:

فبلغوا خمسة وعشرين، كلهم أسلموا إلا اثنان ( طالب بن أبي طالب، وعتيبة بن أبي لهب)، ومن أشهر أبناء عمه علي بن أبي طالب، وجعفر بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، والفضل بن العباس، وعبيد الله بن عباس، وقثم بن العباس وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث.

ومن بنات عمه:

أم هانئ بنت أبي طالب، وضباعة بنت الزبير، ودرة بنت أبي لهب، وأمامة بنت حمزة.

وله من أولاد العمات:

أحد عشر رجلاً، وثلاث بنات، منهم: عامر بن بيضاء، وعبد الله وزهير ابنا عاتكة، وعبد الله بن جحش، وعبيد الله بن جحش والزبير بن العوام، وزينب بنت جحش، وحمنة بنت جحش. وكلهم أسلموا، وثبتوا على الإسلام إلا عبيد الله بن جحش.

وكان للنبي ﷺ إخوة من الرضاعة:

حمزة بن عبد المطلب، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ، وعبد الله بن الحارث، والشيماء بنت الحارث، وأنيسة بنت الحارث وسماها الحافظ (آسية). و(أنيسة) أكثر وأشهر.

وكان ﷺ يوصي بأقاربه وأهل بيته خيراً:

فعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباً، بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة. فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ، وذكر، ثمَّ قال: «أيها النَّاسُ إِنَّما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين :

أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن  أخطأه ضل.

وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.

قال حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال: نساؤهُ مِنْ أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس.

وكان أبو بكر الصديق يقول: «ارقبوا محمداً ﷺ في أهل بيته».

والمراقبة للشيء المحافظة عليه، يقول: احفظوه فيهم، فلا تؤذوهم، ولا تسيئوا إليهم.

وعن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ أبا بكر قال لعلي: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحبُّ إلي أن أصل من قرابتي».

وزار رسول الله ﷺ قبر أمه، وبكى عنده.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنّها تذكر الموت»

وكان بكاؤه على ما فاتها من إدراك أيامه، والإيمان به.

وعن بريدة رضي الله عنه قال: انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبر، فجلس، وجلس الناس حوله، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب، ثم بكى.

فاستقبله عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ما يبكيك يا رسول الله؟

فقال: «هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى، وأدركتني رقتها، فبكيت».

قال: فما رأيت ساعة أكثر باكياً من تلك الساعة.

وكان ﷺ حريصاً على دعوة أقاربه إلى الإسلام:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله عَزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ، فقال : يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئاً.

يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً.

معناه: لا تتكلوا على قرابتي فإنّي لا أقدر على دفع مكروه يريده الله بكم.

وفي رواية عند مسلم (٢٠٤) زيادة: «غير أنَّ لكم رحماً سأبلها ببلالها» أي سأصلها بالمعروف اللائق بها.

والسر في الأمر بإنذار الأقربين أولاً أنَّ الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم.

ومن دعوته ﷺ لأقاربه :

دعوته لعلي رضي الله عنه وهو صغير؛ فاستجاب وآمن، فكان أول صبي يدخل في الإسلام.

قال الترمذي : قال بعض أهل العلم: أوّل من أسلم من الرجال أبو بكر، وأسلم علي وهو غلام ابن ثمان سنين، وأوّل من أسلم من النِّساءِ خديجة.

ومن ذلك أيضاً: حرصه على هداية عمه أبي طالب، وإلحاحه عليه ليؤمن.

فعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة.

فقال: «أي عم، قل : لا إله إلا الله، كلمةً أحاج لك بها عند الله» وفي رواية: «أشهد لك بها عند الله».

فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب.

فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب، وأبي أن يقول: لا إله إلا الله.

فقال رسول الله ﷺ: «والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنكَ».

فأنزلَ اللهُ: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ [ القصص : ٥٦].

وفي رواية صحيحة عند أحمد (۹۳۲۷)، فقال أبو طالب : لولا أن تعيرني قريش يقولون ما حمله عليه إلا جزع الموت؛ لأقررت بها عينك».

ومع أن عمه مات على الكفر ، إلا أنه شفع له حتى خفف عنه العذاب.

فأبو طالب هو أخف أهل النار عذاباً يوم القيامة؛ بسبب شفاعة النبي ﷺ له في ذلك.

عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه».

وعن العباس بن عبد المطلبِ رضي الله عنه أَنَّهُ قالَ: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟

قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا؛ لكان في الدرك الأسفل منَ النَّارِ».

  • ضحضاح: أي: في مَوضعٍ قَريبِ القَعْرِ خَفِيفِ العَذابِ.
  • الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النَّارِ: وهو الطَّبَقُ الذي في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنَّارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، سُمِّيتْ بذلك لأنَّها مُتَدارِكة مُتَتابِعةٌ بعضُها فوقَ بعْضٍ.

وكان النبي ﷺ يثني على قرابته، ويعرف لهم حقهم وقدرهم

فعن المطلب بن أبي وداعة قال : جاء العباس إلى رسول الله ، فكأنه سمع شيئاً؛ فقام النبي ﷺ على المنبر، فقال: «من أنا؟».

فقالوا : أنت رسول الله عليك السلام.

قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إنَّ الله خلق الخلق، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً، فجعلني في خيرهم بيتاً، وخيرهم نسباً».

وكأنه سمع شيئاً أي: من الطعن في نسبه، أو حسبه.

والمعنى: جاء العباس غضبان بسبب ما سمع، طعناً من الكفار في رسول الله ﷺ.

وهذا من تمام الثناء على قرابته.

وعن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله ﷺ للعباس: «هذا العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفاً وأوصلها ».

وكان ﷺ يأخذ بنصيحة عمه العباس ومشورته:

عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب، فأسلم بِمَر الظهران.

فقال له العباس : يا رسول الله ، إنَّ أبا سفيان رجل يحبُّ هذا الفخر، فلو جعلت له شيئاً.
قال: «نعم من دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه؛ فهو آمن»

وكان ﷺ يصحح لهم عبادتهم:

عن ابن عباس رضي الله عنه قال : بتُّ عند ميمونة ، فقام النبيُّ ﷺ ، فأتى حاجته، فغسل وجهه ويديه، ثم نام ثم قام، فأتى القربة، فأطلق شناقها، ثم توضأ وضوءاً بين وضوءين لم يكثر، وقد أبلغ، فصلى.

فقمت، فتمطيت كراهية أن يرى أنّي كنتُ أرقبه، فتوضأتُ، فقام يصلي، فقمتُ عن يساره، فأخذ بأذني، فأدارني عن يمينه … الحديث.

وكان إذا وقع أحدهم في منكر؛ أنكر عليه، وصرفه عنه.

عن عبد الله بن عباس أنه قال : كان الفضل رديف رسول الله ﷺ، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، وجعل النبيُّ ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر.

فقالت : يا رسول الله، إنَّ فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟

قال: «نعم». وذلك في حجة الوداع.

وكان ﷺ يستعين بهم في المواقف المهمة:

ففي قصة بيعة العقبة التي يرويها كعب بن مالك الله عنه قال: خرجنا إلى الحج، فواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق.

فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه يومئذ عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له.

فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أوّل متكلم، فقال: يا معشر الخزرج، إنَّ محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنّه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون إنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك.

وإن كنتم ترون أنكم مسلموه و خاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنَّهُ في عز ومنعة من قومه وبلده.

فقلنا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله ، فخذ لنفسك، ولربك ما أحببت، فتكلم رسول الله ﷺ، فتلا، ودعا إلى الله عز وجل، ورغب في الإسلام … الخ ).

و كان ﷺ يحسن إلى أقاربه:

وقد تعددت وجوه إحسانه إليهم وتنوعت، فكان يهتم بأمورهم ويسعى في تزويج من لم يتزوج منهم، كما في الحديث عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: اجتمع ربيعة بن الحارث [ ابن عم الرسول ]، والعباس بن عبد المطلب فقالا : والله لو بعثنا هذين الغلامين [ المطلب بن ربيعة والفضل بن عباس ] إلى رسول الله ﷺ فكلماهُ، فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي النّاسُ، وأصابا مما يصيب الناس.

فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك.

فقال علي بن أبي طالب : لا تفعلا، فوالله ما هو بفاعل.

فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال : والله ما تصنع هذا إلا نفاسة (٢) منك علينا، فوالله لقد نلت صهر رسول الله ، فما نفسناه عليك.

قال علي: أرسلوهما. فانطلقا.

فألقى علي رداءه ثم اضطجع عليه، وقال: أنا أبو حسن القرم (1)، والله لا أريم مكاني (٢) حتى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما به إلى رسول الله (۳).

قال : فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال: «أخرجا ما تصرران» (٤).

ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش.

فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا ، فقال : يا رسول الله أنتَ أبَرُّ النَّاسِ، وأوصل النَّاسِ، وقد بلغنا النكاح، فجئنا ؛ لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي النَّاسُ، ونصيب كما يصيبون.

فسكت طويلاً حتى أردنا أن نكلّمه، وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه (٥) .

ثم قال: «إنَّ الصدقة لا تنبغي لآل محمد (٦)، إنما هي أوساخ النَّاسِ)، وإنها لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد. ادعوا لي محمية بن جزء»، وهو رجل من بني أسد كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب.

قال: فجاءاه، فقال لمحمية: «أنكح هذا الغلام ابنتك» للفضل بن عباس فأنكحه.

وقال لنوفل بن الحارث: «أنكح هذا الغلام ابنتك» لي، فأنكحني.

وقال لمحمية: «أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا»(1).

وقوله : «أصدق عنهما من الخمس» يحتمل أن يريد من سهم ذوي القربى من لأنهما من ذوي القربى، ويحتمل أن يريد من سهم النبي ﷺ من الخمس (٢).

ومن إحسانه ﷺ لأقاربه أن عمه العباس لما جيء به أسيراً في بدر، ولم يكن عليه ثوب، طلب له ثوباً حتى يلبسه.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصاً فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه (۳)، فكساه النبيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه (٤) .

قال ابن عيينة : كانت له عند النبي ﷺ يد؛ فأحب أن يكافئه (٥).

ولما جاءه مال من البحرين لم ينس عمه العباس.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أتي النبي ﷺ بمال من البحرين (٢).

فقال: «انثروه في المسجد»، وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ.

فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة، ولم يلتفت إليه.

فلما قضى الصلاة، جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحداً إلا أعطاه.

إذ جاءه العبّاسُ فقال : يا رسول الله أعطني ؛ فإنّي فاديت نفسي وفاديت عقيلاً. [ وكان أسر مع عمه العباس في غزوة بدر ].

فقال له رسول الله ﷺ: «خذ».

فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقله (١) ، فلم يستطع .

فقال : يا رسول الله اؤمر بعضهم يرفعه إلي.

قال: «لا».

قال: فارفعه أنتَ عليَّ.

قال: «لا».

فنثر منه، ثم ذهب يقلّه، فقال يا رسول الله : أؤمر بعضهم يرفعه علي.

قال: «لا».

قال : فارفعه أنتَ عليَّ .

قال: «لا».

فنثر منه، ثم احتمله فألقاه على كاهله، ثم انطلق.

فما قام رسول الله ﷺ، وثم منها درهم (٢).

في هذا الحديث بيان كرم النبي ﷺ ، وعدم التفاته إلى المال قل أو كثر.

وقد كان العباس رضي الله عنه عظيماً جسيماً شديد القوة، فالظاهر أنه حمل مالا كثيراً، ولم يمنعه النبي (۳).

ولعل النبي ﷺ لم يعنه على الحمل، أو يأمر أحداً بإعانته؛ حتى يقلل مما أخذ من المال،

ولا يحمل إلا ما يقدر على حمله، ولم يرد أن يمنعه من أخذ ما أراد.

والعباس كان من أغنى قريش، وأكثرهم مالا، ولكنه غرم بسبب مفاداة نفسه، ومفاداة عقيل من الأسر.

ومن مساعدته لأقاربه: حرصه على أدائهم للنسك معه، وإقناعه لمن لم يكن ينوي منهم الخروج بالمبادرة إلى ذلك.

كما في قصة ضباعة رضي الله عنها حين دخل عليها النبي ﷺ فقال لها: «أردت الحج ؟».

قالت: والله ما أجدني إلا وجعة.

فقال لها: «حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» (١).

وكان يتابع أمور أقاربه، ويعتني بصحتهم:

عن جابر بن عبد الله عنه قال : رخص النبيُّ ﷺ لَآلِ حزم في رقية الحية.

وقال لأسماء بنت عميس: «ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة ؟ (۲) تصيبهم الحاجة؟».

قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم.

قال: «ارقيهم».

قالت: فعرضت عليه.

فقال: «ارقيهم» (۳).

وعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية رضي الله عنها قالت : دخل علي رسول الله ﷺ، ومعه علي وعلي ناقه (4)، ولنا دوالي (5) معلقة.

فقام رسول الله ﷺ يأكل منها، وقام علي ؛ ليأكل ، فطفق رسول الله ﷺ يقول لعلي: «مه؛ إنَّكَ ناقه». حتى كفَّ علي.

قالت: وصنعت شعيراً وسلقاً، فجئت به، فقال رسول الله ﷺ: «يا على أصِب من هذا؛ فهو أنفع لك» (1) .

واستعان النبي ﷺ بأقاربه رضي الله  عنهم، واستنابهم واستعملهم في كثير من شؤونه.

ومن ذلك:

. أمره عليا رضي الله عنه لينام في فراشه ليلة الهجرة.

. تأميره عليّاً رضي اللَّه عنه يوم خيبر على الجيش.

. إعطاؤه علياً ما بقي من بدنه في الحج لينحرها، وأمره له بأن يقوم على بدنه،

وبأن يتصدّق على الناس بلحومها وجلودها وأجلتها (٢).

فعن علي رضي اللَّهُ عنه قال : «أهدى النبيُّ ﷺ مائة ،بدنة، فأمرني بلحومها فقسمتها، ثم أمرني بجلالها فقسمتها، ثم بجلودها فقسمتها» (۳).

وجعل ابن عمه جعفراً على رأس المهاجرين إلى الحبشة، وأوّل من حمل رسالة إلى ملك الحبشة.

وهو الذي تكلم أمام النجاشي شارحاً له دين الإسلام بأوجز عبارة.

ولما قدم جعفر من الحبشة فرح بقدومه وسر بذلك :

وكان قد قدم على رسول الله ﷺ بعد فتح خيبر ، فقام إليه والتزمه ، وقبل ما بين عينيه واعتنقه، وقال: «ما أدري بأيهما أنا أسر : بقدوم جعفر أو بفتح خيبر»(4).

وأنزله رسول الله ﷺ إلى جنب المسجد، وأسهم له من غنائم خيبر.

وجعله أميراً على الجيش في معركة مؤتة بعد زيد بن حارثة.

ولما استشهد بمؤتة واسى أهله في مصيبتهم وتكفل بشؤونهم:

فعن عبد الله بن جعفر قال : بعث رسول الله ﷺ جيشاً استعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: «فإن قتل زيد، أو استشهد فأمير كم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة».

فأتى خبرهم النبي ﷺ، فخرج إلى النّاسِ، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «إِنَّ إخوانكم لقوا العدو، وإنَّ زيداً أخذ الراية، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثمَّ أَخذَ الراية بعده جعفر بن أبي طالب، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه».

فأمهل ثم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم ثم أتاهم (١). فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم أو غد، ادعوا لي بني أخي (٢).

قال: فجيء بنا كأنا أفرخ (۳).

فقال: «ادعوا إلى الحلاق».

فجيء بالحلاق، فحلق رءوسنا (٤).

ثم قال: «أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي».

ثم أخذ بيدي، فأشالها، فقال: «اللهم اخلف جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه»، قالها ثلاث مرار.

فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تفرح له (٥).

فقال: «العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ ».

ولقراءة المزيد اضغط هنا

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة