«الإسلام والفَلسفة»

|

باسم الله، والحمدلله، وبعد…«الإسلامُ والفَلسفة» عنوانٌ يتردّد بين العقول، لكنّه ليس مجرّدَ جمعٍ بين لفظين، بل هو ميدانُ تمايُزٍ بين وحيٍ معصومٍ، وعقلٍ محدود.

تكثُر ضلالات مذاهب الفلاسفة فيما يخص الجزء المُسلّم به، فهناك دومًا ما يكون العقل والقلب خاضعًا لله في كل أمورِه المجهولة لنا، يكون لك جزءًا خاص بك عبدًا لله لا تتعدى حدوده تأدّبًا مع الله، وأن الفلاسفة كل عملهم في هذا الجزء الخاضع لله ليتلاعبوا في أن العقل يستطيع الوصول إلى كل شيء حتى تجد نفسك في دائرة الملحدين!
وعليه فإن منهم أنواع.

الأول: الطبيعيون.


وهم بحثهم في عالم الطبيعة، والمخلوقات، فأنكروا إعادة المعدوم وعليه فقد جحدوا الآخرة وأنكروا الجنّة والنار والقيامة والحساب، فليس عندهم ثواب ولا عقاب، وحقيقة قولهم أن العالم واجب الوجود ليس له خالق.

الثاني: الدهريون.


هؤلاء جحدوا الصانع المدبّر، فجعلوه موجود مُطلقًا دون صفة، وزعموا أن العالم لم يزَل موجودًا كذلك.. كل شيء خُلِق من نُطفة.

الثالث: الإلهيون.


أهله مثل سُقراط وأفلاطون، وهؤلاء إن كانوا مُقرّين بخالق هذا العالم، إلا أن حقيقة قولهم هو تعطيل صانع هذا العالم -حاشاه سبحانه-، واعتنق مذهبهم كثير من الكفريات، وهؤلاء الذين أَخَذ عنهم الفلاسفة الذين وُجِدوا بعد الإسلام، مثل ابن سينا والفارابي وغيرهم الذين يتم تدريس أقوالهم ومعتقداتهم بالمدارس والجامعات الآن، وذُكِر عن أهل العلم بتكفير هؤلاء الفلاسفة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَه اللَّه-: “ثم الفلاسفة والباطنية هم كفار، كفرهم ظاهر عند المسلمين، وكفرهم ظاهر عند من له علم وإيمان من المسلمين، إذا عرفوا حقيقة قولهم، لكن لا يعرف كفرهم من لم يعرف حقيقة قولهم، وقد يكون تشبث ببعض أقولهم مَن لم يعلم أنه كُفر، فيكون معذرًا لجهله”
ومن أسباب تكفيرهم..

  • الأول: شِركهم في الربوبية.
  • ادّعوا أن الملائكة قديمة أزليّة، وأن العقل ربّ ما سواه، وأن العقل قديم صدَر عن عِلّة موجبة بذاته، وأثبتوا جواهر قائمة بنفسها أزلية مع الرّب لم تزل ولا تزال معه لم تكن مسبوقة بعدم، كما جعلوا الأفلاك القديمة التي زعموا أن حركتها لا بداية ولا نهاية لها، وادّعوا أن العقل الفعّال هو مبدع كل ما تحت فلك القمر، وأن الرّب لا يفعل بمشيئته وقدرته ولا يقدر أن يغيّر العالم، بل العالم فيض فاض عنه بغير مشيئته وقدرته، وزعموا أن الله لم يخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، بل أصل قولهم أن الله لم يخلق شيئًا، وهذا كُفر باتفاق أهل جميع المِلل.
  • الثاني: الشِّرك في الألوهية.
  • أن الفلسفة عِندهم هي التشبّة بالإله على قدر الطاقة، لذلك قالوا: “أن الفلك يتحرك للتشبه به”، فلم يثبتوا بذلك أن الله رب العالمين خلقه وأنشأه، وهذا شِرك شر من شِرك مُشركي العرب، فإن مُشركي العرب وإن أشركوا بالوسائط وقالوا: ﴿هُم شُفعاؤنا عِند الله﴾، فلم يكن التأله عندهم بمعنى التشبّه والاقتداء، بل بمعنى العبادة والذل والمحبة، وهؤلاء مع عِظَم شِركهم مع الله بمخلوقاته جعلوا التألُّه هو التشبّه بالإله لا أنه يُحَب ويُعبَد ويدعو ويُسأل، ولهذا لم تكن الألوهية مختصة بالله عندهم، ثم لما كان مقصودهم التشبه بالله فهم لا يعبدونه ولا يستعينون به، بل هم خارجون عن دين المرسلين، فالكمال عند هؤلاء أن يجعل أحدهم نفسه لله نِدًّا.
  • الثالث: تعطيلهم لله عز وجل -حاشاه سبحانه-.
  • وذلك بأنهم أنكروا أسماء الله وصفاته، فقالوا: ليس بحيّ ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا موجود ولا معدوم. فنفوا بذلك أن تكون له حقيقة، بل يقول بعضهم أن هذه الأسماء لبعض المخلوقات، وأنها ليست حقيقة ولا مجاز، وهؤلاء شر من المشركين الذين أخبر عنهم الله بقوله: ﴿وإذا قِيلَ لهُم اسجُدوا للرحمٰن قالوا وما الرَّحمٰن أنَسجُد لِمَا تَأمُرُنا وزَادَهُم نُفُورًا﴾ فأولئك أنكروا اسم الرحمن فقط، وهؤلاء أنكروا أسماء الله وصفاته، ولذلك كانوا عند المسلمين أكفَر من اليهود والنصارى، إذ أنهم جعلوا المفعول المعين مقارنًا لله أزلًا وأبدًا، وهذا تعطيل للفاعلية، وهم ليس عندهم دليل على قدم شيء من العالم ولا قدم الفلك ولا قدم شيء من حركاته، ولا قدم الزمان الذي هو مقدار حركة الفلك، والرُّسل أخبرت بخلق الأفلاك، وخلق الزمان الذي هو مقدار حركتها، فلمّا جاءت الرُّسل بهذه الأمور وأَخبرت بها جعلوا يتأوّلون ذلك تأويلًا يحرّفون فيها الكَلِم عن مواضعه، ويريدون أن يجمعوا بينها وبين أقوال أسلافهم الملاحدة، فعلى قولهم هذا يعطل الله عن الخلق والعلم، وهذا حقيقة قول مقدّمهم أرسطو، فإنه لم يثبت أن الرب مبدع للعالم، ولا جعله علّة فاعلة، بل الذي أثبته أنه عز وجل علّة غائية يتحرك الفلك للتشبه به، وصرّح بأنه لا يعلم الأشياء، وهذا غاية التعطيل والنّقص، كما عطّلوا صفة الكلام عن الله عز وجل، فجعلوه ما يفيض على النّفوس من المعاني، إمّا من العقل الفعّال كما يقول أكثر الفلاسفة، وإمّا مطلقًا كما يقول بعض متصوفة الفلاسفة، كما قولهم: “الكلام الذي سمعه موسى لم يكون موجودًا إلّا في نفسه لم يسمعه من الخارج”.
  • الرّابع: إسقاط التكاليف وتعطيل شرع الله عز وجل.
  • فبعضهم عطّل شرائع الإسلام، فأسقط التكاليف، فلا صوم ولا صلاة ولا زكاة ولا حج، واستباحة كل ما حرّم الله، وذلك لأنهم ظنوا أن كمال الإنسان في أن يعرف الوجود فقط، والعارف لا تجب عليه العبادات الشرعية ولا تحرم عليه المحرّمات الشرعية، وهم في هذا الوجه أشد كفرًا من اليهود والنصارى، كما أنهم جعلوا للشفاعة معنًا شركيًّا فقالوا: “إنما هي بأن يتوجه الإنسان إلى روح مفارق -أي ميّت- فيفيض عليه من ذلك الروح، وذلك الروح قد فاض عليه الأمر من الرب، وشبّهوا ذلك بشعاع الشمس الذي يسقط على مرآة ثم ينعكس على غيره، وقد ذكر هذا المعنى ابن سينا والغزالي وغيرهم. وجعلوا للشفاعة معنى آخر وهو: الاستشفاع بمن يعظمه من الجواهر العالية، كالعقول والنفوس والكواكب والشمس والقمر، فهو يتصل بذلك المعظّم المُستشفَع به. وسبب تخبّطهم في أمر الشفاعة لأنهم بنوها على أساسهم الفاسد وهو: أن الله لا يسمع كلام عباده، ولا يعلم ما في نفوسهم، ولا يقدر أن يغيّر جزءًا من العالم، وغير ذلك. كما أنهم عطّلوا عبادة الله تعالى بما شرّعه النبي ﷺ وذلك بتجويزهم أن يتدين الرجل بما يشاء من دين المسلمين أو دين اليهود أو النصارى، بل وقد يسوغون التدين بالوثنية، كتسويغهم دعوة الكواكب وعبادتها والسجود لها، ومعلوم أن هذا كُفر بالإجماع، فمن لم يُقِر بأن الله لا يقبل دينًا غير الإسلام فليس بمسلم، بل ومن لم يكفّرهم ويبغضهم فليس مسلمًا باتفاق أهل العلم.
  • الخامس: تعطيل النبوة والرسالة.
  • وتعطيلهم للنبوة والرسالة ذلك بتعطيلهم كثير من صفات الرسل -وإن كانوا يقرّون بأصل الرسالة-، فلمّا أرادوا تقرير النبوة جعلوها فيضًا يفيض على نفس النبيّ من العقل الفعّال أو غيره، وأن جبريل مجرد نور نوراني يُتخيّل في نفس النبي، كما يتخيل في نفس النائم، أو هو العقل الفعال، وتجد بعضهم يزعم أن النبوة مكتسبة، أو أنه يُستغنى عن الرسول، أو أن يكون رسولًا أفضل من غيره، وأن الخطاب الذي يحصل لهم أفضل مما حصل لموسى وغيره، ويقولون أن الأنبياء أخبروا الناس بما هو كذب في نفس الأمر لأجل مصلحتهم، أو يقولون لم يخبروا بالحقائق، وهذا يقتضي إما تكذيب الرسل أو عدم تبيينهم للحق، ومَن ادّعى أحد الأمرين فقد كَفَر، بل يُعتبر مُكذّبًا لجميع الرُّسل، وقد توعّد الله لمَن كذّب الرّسل بقوله: ﴿الّذين كذّبوا بالكِتاب وبِمَا أرسَلْنا به رُسُلنَا فَسَوف يَعلَمون • إذِ الأغلالُ فِي أَعنَاقِهِم والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الحَمِيم ثُمّ فِي النَّارِ يُسجَرون﴾.
  • السادس: إنكارهم معاد الأبدان.
  • ينكر الفلاسفة معاد الأبدان فيقولون: إن النّعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، وأن البدن لا يُعذّب ولا يُنَعَّم، وأن ما ورد في الكتاب والسُّنة إنما هي أمثال ضُرِبَت لنفهم المعاد الروحاني، ومن يقرّ بهذا كافر، فإن النّبي صلى الله عليه وسلّم قد بيّن ذلك بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر.
  • وخِتامًا: قد يكون هناك من قدم لنا منظورًا فلسفيًا نافعًا في بعض معانِ الحياة، ولكنها أقل القليل، وعليه فليس كل متفلسف كافر وإنما كل مشكك في حدود الله وأسرار خلقه، فإن الفلسفة بمفهومها مبدأ للتشكيك، ولها أبواب واسعة إن فتحتها ولجت إلى فِتنًا تُثير شكوكك في دينك ما دمت غير مصقولًا في العقيدة، فاتّقِ الشُّبهات في الدّين، إن ثغورهم جلّها تبدأ بتمكين العقل في مسلّمات العبادة لله، وأن للإنسان عقل يتدبّر الكون دون خالق، وأنه يمكنك اتّخاذ مذهبًا جديدًا خاص يناسب عقلك، هذه أصول الفلسفة التي يكون جوهرها تمكين العقل وترك التوحيد وربوبية الله عز وجل.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة