آنِسَتي هاء، المستمعةُ الجليلةُ، لا أعرِفُ كيف أبدأُ حديثي وأكمل قصتي، ولكني مُمتنّةٌ أشدَّ الامتنانِ لصبرِكِ عليّ.
عساكِ بخيرٍ يا آنِسةَ هاء، لأنني لستُ بخيرٍ، لستُ بخيرٍ البتّة… منذُ مواجهتي، أو لنقُلْ رؤيتي لرفيقتي نون، وأنا لستُ بخير. رؤيتُها أيقظتْ فيّ أشياءً كنتُ أظنُّ أنها ماتتْ، وأشعلتْ بداخلي حروبًا قد قيل إنها خمدتْ.
رؤيتُها أشبهُ بمواجهةِ بيتٍ لطوفانٍ يُزلزلُهُ لكن لا يقتلعهُ.
أراني فتاةً جبانةً، جبانةً جدًّا، تخشى الألمَ أكثرَ من أيِّ شيءٍ، وإنّ أصعبَ الآلامِ وأقساها هو ألمُ المواجهةِ، يا آنِسةَ هاء.
هربتُ، نعم، هربتُ! لم أحتملْ بقائي أمامَها، لذا كان آخرُ ما استمعتُ إليه منها هو اعترافُها أنها ليستْ بخير. لكم أرقني هذا الاعترافُ، ولكم أخافني، وما زال صدى نبرتها في داخلي يُحاربُ الإنكار.
نعم، هناك شيءٌ بداخلي يُنكرهُ، شيءٌ لا أدري ماهيّتَهُ. قولي عنّي إنّي صديقةٌ غيرُ وفيّةٍ، وانعتيني بأبشعِ ما يكونُ من الخذلانِ، ولكنْ، بربّكِ، فلتسمعي أسبابي التي ربما تكونُ غيرَ منطقيّةٍ لعاقلٍ، إلّا أنها تعني لي الكثير.
آنِسةَ هاء، يا آنِسةَ هاء، إنّ رفيقتي نون فتاةٌ عجيبةٌ، وفي نفسِ الوقتِ غريبةٌ، وأوقاتٌ تكونُ مهيبةً.
إنها فتاةٌ تحملُ بداخلها بحرًا من الأحزانِ، يكفي للأنامِ ويفيضُ، وتُخبّئُ في قلبِها حديثًا يحكيهِ الصمتُ أكثرَ من الكلامِ. بداخلِها جروح بكماءُ، ومعدةٌ صمّاءُ، سيّدُها الهمُّ والأحزانُ، وأكثرُ ما أخشاهُ أنها تحملُ في روحِها متاهاتٍ تسوقُ إلى مكانٍ يُدعى “جنّةَ الأحلامِ”.
سيّدتي هاء، ذاتَ الحروفِ الصامتةِ الصارخةِ، أعلمُ أنه ربما لم تُقنعكِ أسبابي السابقةُ بطريقةٍ كافيةٍ، لذا ما أودُّ إيصالَهُ لكِ أنَّ الدقائقَ المعدودةَ التي قضيتُها برفقةِ نون، والنظرَ في عينيها، أمِّ البحورِ، قد استنزفتْ منّي طاقةً كبيرةً، وبعثرتْ وجداني، فخشيتُ الغرقَ حتى الموتِ، لذا هربتُ.
هربتُ حتى أُلمْلِمَ ما بعثرتْهُ عيناها وكلماتُها الموجودةُ، ولأستعدَّ لحربٍ قادمةٍ لا محالةَ، حربٍ لا يهمُّ من سيفوزُ بها، بقدرِ ما يهمُّ خوضُها.
إنني بنتُ الحروبِ، يا آنِسةَ هاء، لا يغرّنّكِ جبني الذي أقررتُ به، ولا ارتعاشةُ يديّ الآن وأنا أكتبُ إليكِ، فأنا أعرفُ جيّدًا أنَّ للحروبِ أهلَها، ولا يكونُ أهلُها إلّا فارسًا جرّبَ الخوفَ قبلَ الشجاعةِ، والسقوطَ قبلَ الوقوفِ بإباءٍ. وللحديثِ بقيّةٌ، بإذنِ ربِّ البريّةِ.
الإمضاء: نون










