تلك المرأتان.. كانتا في أشد الحاجة إلى نكاح يعفهما، وزوج يقيهما مذلة خروجهما من بيتهما، ورجل يقضي حوائج الشيخ الكبير.
لكنه حين ورد ماء مدين؛ وجدهما تذودان غنمهما -وما أشق ذود الغنم- ألا تختلط بغنم الرعاء الذين ما إن يصدروا عن الماء؛ حتى توردا.
ذلك المشهد ناشزٌ في مرأى عيون الأسوياء، ناتئٌ كبَثْرة في أنف حسناء، فلا غرر أن أتاهما موسى مأتَى المترفعين عن الدنايا؛ الأشراف، مستهجنا رداء المذلة عليهما.. كيف اجتمع بإزار العفاف، ثم التحفاهما جميعا في لحاف!! سائلا: ما خطبكما؟!
لم يزد، ولم يطنب، ولا استعار حرفا ليس له فيه حاجة ولا مطلب، وهو الذي زاد على جواب الرب: هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى!
أسفرت المرأتان عن ذل حاجة إلى الخروج من البيت، وما أقبح بالمرأة أن تخرج!
وكشفتا لوجه نبي عن عذر المرأة الأنفة عن التعرض للرجال، وما أهتك ستر المرأة حين تتبرج!!
قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء، وأبونا شيخ كبير.
غض طرفه عنهما فبدا أبيا، وشمر عن ساعده فبدا قويا، وسقى لهما في حر مشمس، وعاد إليهما من غير أن ينبس! وهكذا فليكن الأحرار!!
وما أسرع غَناء الله لعبد أظهر فقره إليه، وما أقرب إغاثته لمن أظهر ذله بين يديه، فجاءته إحداهما تمشي على استحياء، وهل كان حملها رسالة يحتاج إلى عون أختها؟!
وحين أتى الشيخ الحكيم لم يتوان في تزويجه بلا مال ولا سكن، فما أعز من زوج قوي مؤتمن!
حان وقت سؤال لا نسمع من يسأله: ما أقعد المرأتين عن الزواج وما كانتا جاريتين صغيرتين، وما عاق الخطاب مهر ولا شرف، مع ما كانوا عليه من الحاجة إلى رجل؟!
والجواب؛ هو ذاك! الحاجة إلى رجل!!
فإن أمة من الناس ليس فيهم ذو مروءة يغيث امرأة عفيفة، ويصرخ محصنة شريفة، لهي أمة ليس فيها رجل!!
فلأن تكون ابنتك إلى جوارك؛ أكرم لها ولك من أن تنزل في جوار ساقط المروءة أو ذاهب الدين، ولو كان ذا مال وبنين، والله ولي المؤمنين.
نُقلت عن: عصام الدين بن عزت










