في بيت النبوة… درسٌ خالد

|

إنَّ التوسّع في المآكل والمشارب سِمةٌ اعتادها الملوك والأمراء، فأحسنُ الطعام وأطيبه، وألذُّ الشراب وأوفَره، تجدُه بين أيديهم، إذ يعيشون حياة ترفٍ وبذخ. لكن رسولَ الله ﷺ -وهو قائد الأمة وخليفتها- اختار طريقًا مغايرًا تمامًا؛ طريقَ الزهد والتواضع، والبساطة في المأكل والمشرب.

يصف أنس بن مالك رضي الله عنه شيئًا من عيشه ﷺ فيقول: “لم يجتمع عند النبي ﷺ غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف” وفي رواية:”ما شبع رسول الله ﷺ من خبز ولا لحم إلا على ضفف”. وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض رسول الله ﷺ” بأبي أنت وأمي يا رسول الله؛ عشتَ عيشةَ الفقراء، وسلكتَ طريق المساكين، فكنتَ خيرَ قدوة في مأكلك ومشربك.

وكان ﷺ يدخل على عائشة فيسألها: “أعندكِ غداء؟”

فتقول: لا.

فيقول: “فإني صائم”

وقال قتادة رحمه الله: “كنا نأتي أنس بن مالك وخبازه قائم، فيقول: كلوا، فما أعلم النبي ﷺ رأى رغيفًا مرققًا بعينه، ولا رأى شاةً سميطًا قط”

ويروي عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى ما فُتح على الناس من الدنيا: “لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يتلوّى، ما يجد دقلاً يملأ به بطنه”

وجاءت فاطمة رضي الله عنها يومًا بكسرة خبز إلى النبي ﷺ، فقال: “من أين لكِ هذه؟” قالت: قرص خبزتُه، فلم تطب نفسي حتى آتيك بهذه الكسرة. فقال ﷺ: «أما إنه أول شيء دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام».

وهكذا كانت حياته ﷺ؛ بساطةٌ في العيش، وزهدٌ في الدنيا، وفقرٌ تزكيةً للأمة، ليكون قدوةً عمليةً لأصحابه وأتباعه فأين نحن اليوم من هذا الهدي؟ موائدُ عامرة، وأصنافٌ متعدّدة، وجارٌ فقير لا يجد لقمةً يسدّ بها رمقَه ورمقَ أهله.

بيتٌ يموت الفأر خلف جداره
جوعًا، وبيتٌ بالموائدِ متخم

أما أثاثه وفراشه ﷺ؛ فبيته لم يكن مليئاً بالفراش والأثاث، ولم تكن له غرف نوم ومجالس عربية من أغلى الأقمشة كما هي حال بيوت كثير من المسلمين اليوم، فهو – ﷺ – لم يكن يجد شيئاً من هذا.

قالت عائشة -رضي الله عنها- تصف فراشه وأثاث بيته عليه الصلاة والسلام: “(إنما كان فراش رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي ينام عليه أدمًا حشوه ليف) [6]

” ودخل عمر ذات يوم على النبي – ﷺ – ووجده على حصير، ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وعند رجليه قرطًا مضبورًا[7]، وعند رأسه أهَبٌ معلقة[8]. ورأى أثر الحصير في جنبه فبكى، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم -: “(ما يبكيك؟)” فقال عمر: “يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله”، فقال: “أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟”[9]

لم تكن زخارف الدنيا ومتاعها وأثاثها الفاني تهمه – ﷺ – فقد اكتفى بالقليل منها، وإنما كانت الآخرة هي همه وشغله الشاغل.

تقول عائشة -رضي الله عنها-: “(كان لنا حصير نبسطها بالنهار، ونحتجرها علينا بالليل)[10]”

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: “نام رسول الله ﷺ على حصير، فأثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله! ألا آذنتنا فنبسط تحتك ألين منه؟ فقال: ’(مالي وللدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب سار في يوم صائف، فقال تحت شجرة، ثم راح وتركها) [11]”

فيا لله من هذا النبي الكريم المتواضع، الذي آثر الآخرة على الدنيا، ورضي بالقليل من هذه الفانية. وبهذا التواضع وهذه البساطة التي عاشها عليه الصلاة والسلام، ملك قلوب الناس فكان خير قدوة للناس أجمعين.

أمّا ملبسه ﷺ فلم يكن بأحسن ممّا سبق من طعامه وفراشه، فالأمر عنده سواء، فالتواضع هديه وخُلُقه.

لم يكن يمتلك كثيرًا من الملابس؛ فقد روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «صلّى بنا رسولُ الله ﷺ في شَمْلَةٍ أراد أن يتوشّح بها فضاقت، فعقدها في عنقه هكذا، وأشار عبادة إلى قفاه، ليس عليه غيرها»¹².

وروى ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان طول ثوب رسول الله ﷺ أربعة أذرع وشِبرًا، وعرضه ذراعًا وشبرًا»¹³.

هذا هو بيتُ النبوّة، وهذه هي حالُه ﷺ في بيته؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام متقشّفًا في كلِّ جوانب حياته، وهو القائل: «البذاذةُ¹⁵ من الإيمان»¹⁶، وقال ﷺ: «ليس لابنِ آدم حقٌّ في سوى هذه الخصال: بيتٌ يسكنه، وثوبٌ يواري عورته، وجِلْفُ¹⁷ الخبزِ والماء»¹⁸.

عرفنا كيف كانت حياتُه ﷺ في بيته: تقشّفٌ في الطعام، واللباس، والفراش؛ فكانت حياةً طيّبةً هنيئة، وهو بهذه الحياة المتواضعة قدوةٌ لأمّته من بعده. لكن ـ وللأسف ـ يُسبّ رسولُ الله ﷺ ويُنَالُ منه، وأمّتُه تلهث وراء الكماليّات، وراء المسكن الفاره، والملبس الأنيق، والمأكل اللذيذ، والمشرب الهنيء؛ فهانت في قلوب أعدائها، والتفتت إلى الدنيا، وتركَت الآخرة، إلّا من رحم الله.

الأمّة اليوم، أو كثيرٌ من أبناء الإسلام، يعيش همُّه في مأكله وملبسه ومسكنه؛ فإن حصل له ذلك استراح، وإن أصاب الأمّة ما أصابها، وإن نِيل من رسول الله ﷺ، وإن دِيست كرامة الأمّة، وذُبحت وأُهينت، فلا يُبالي ولا يهتمّ، فالدنيا هي أهمّ شيء في حياته!

فأين نحن من رسول الله ﷺ في الاقتداء به؟ وماذا عملنا لنصرته؟ فإن كنّا نحبّه ﷺ كما نزعم، فلنقتدِ به، ولنتّبع سنّته، ونقتفِ أثره، ونُحكّم سنّته في حياتنا كلّها.

اللهم إنّا نسألك، يا قويّ يا متين، أن تنتصر لنبيّك من الكفرة الحاقدين، اللهم اشفِ صدورنا بهلاك الذين أساؤوا إلى نبيّنا وحبيبنا محمد ﷺ.

وصلى الله وسلم على نبيّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

¹² بُردةٌ مخطَّطة.

¹³ الشامي، الشَّبل (7/481).

¹⁴ المصدر السابق.

¹⁵ أي: التواضع في ترك الزينة.

¹⁶ رواه أبو داود، وصححه الألباني.

¹⁷ خبزٌ بلا إدام، أو غليظ.

¹⁸ رواه الترمذي

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة