على خطى الصحابيات
أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها
عند الحديث عن الهجرة النبوية المباركة، تتجه الأنظار إلى رسول الله ﷺ وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، غير أن أحداث الهجرة تزخر بمواقف مشرقة لرجال ونساء كان لهم دور بارز في نصرة الإسلام والمساهمة في هذا الحدث التاريخي العظيم.

ومن أبرز هذه الشخصيات: أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، التي اشتهرت بلقب “ذات النطاقين”.
نشأت أسماء رضي الله عنها في بيتٍ عُرف بالإيمان والصدق، فهي ابنة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أول الرجال إيمانًا برسول الله ﷺ من هذه الأمة. وقد تلقت تربية إيمانية راسخة غرست فيها معاني اليقين والثبات والتضحية؛ فانعكست هذه القيم في مواقفها المشرفة عبر مراحل حياتها.
وعندما أذن الله تعالى لنبيه ﷺ بالهجرة إلى المدينة المنورة، اضطلعت أسماء رضي الله عنها بدور مهم في خدمة رسول الله ﷺ ووالدها أثناء إقامتهما في غار ثور، حيث كانت تتولى إعداد الطعام وتوفير ما يحتاجان إليه، مؤديةً هذه المهمة بإخلاص واحتساب.
وتذكر كتب السيرة أنها حين أرادت تجهيز الزاد لرسول الله ﷺ وأبيها، لم تجد ما تربط به السفرة والقربة؛ فقامت بشق نطاقها إلى نصفين، فربطت بأحدهما السفرة وبالآخر القربة، فلقبها رسول الله ﷺ بـ”ذات النطاقين”، وهو لقب أصبح رمزًا لمبادرتها وحسن تدبيرها وحرصها على خدمة الدين.
ولم يقتصر دور أسماء رضي الله عنها على تقديم الدعم والخدمة، بل تجلت في شخصيتها معاني الثبات وقوة الإيمان. فعندما جاء أبو جهل إلى منزل أبي بكر رضي الله عنه يسأل عنه بعد خروجه مع النبي ﷺ، امتنعت عن الإفصاح عن مكانهما حفاظًا على السر الذي اؤتمنت عليه، رغم ما تعرضت له من أذى، فظلت ثابتة على موقفها ولم تفشِ سرًّا.
ومن المواقف الدالة على رجاحة عقلها وقوة توكلها على الله جل جلاله، ما حدث عندما دخل جدها أبو قحافة، وكان قد فقد بصره، على أبناء أبي بكر بعد الهجرة، وظن أن أبا بكر لم يترك لهم ما يكفيهم من المال. فأرادت أسماء أن تطمئنه، فوضعت أحجارًا في موضع المال وغطتها بثوب، ثم جعلته يلمسها، فظن أن أبا بكر قد ترك لأهله ما يحتاجون إليه، فاطمأن قلبه.
وتبرز سيرةُ أسماء رضي الله عنها أهميةَ الأعمال الصادقة التي قد لا تكون ظاهرة للناس، لكنها تترك أثرًا عظيمًا في خدمة الحق ونصرة الدين. فقد أدت دورًا مؤثرًا في مرحلة دقيقة من مراحل الدعوة الإسلامية بدون أن تنتظر ثناءً أو تقديرًا، وإنما رجاء ثواب الله تبارك وتعالى ورضاه.
كما تؤكد سيرتها أن المرأة المسلمة شريك أساسي في بناء المجتمع وخدمة دينها من خلال دورها في الأسرة والتربية والأعمال الصالحة. وقد كانت أسماء رضي الله عنها نموذجًا مشرفًا للمرأة المؤمنة؛ ابنةً صالحة، وزوجةً مؤمنة، وأمًّا لعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، الذي ربته على معاني العزة والشجاعة والتمسك بالحق.
وفي ظل ما يواجهه المسلمون من تحديات ومتغيرات، تبقى سيرة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها مصدر إلهام يرسخ معاني الإيمان واليقين والثبات، فهي تعلمنا أن نصرة الدين تتحقق بالعمل الصادق والصبر وتحمل المسؤولية، وأن الإيمان الراسخ يهون معه تحمل المشاق في سبيل الله جل جلاله.
رضي الله عن أسماء بنت أبي بكر، فقد قدمت للأمة نموذجًا خالدًا للمرأة المؤمنة التي جمعت بين قوة الإيمان وصدق اليقين وحسن العمل، فاستحقت أن يبقى ذكرها حاضرًا في صفحات التاريخ الإسلامي المشرق، وأن تظل سيرتها نبراسًا تهتدي به الأجيال جيلاً بعد جيل.
للإستزادة:
فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
نساء السلف ٢، العابدة شعوانة رحمها الله تعالى
وقفات مع الهجرة النبوية










