​ شيطنة الرجال

​ شيطنة الرجال
بينَ ضجيجِ الفراغِ ووقارِ الأمانة: حقيقة الرجال ووهْمُ المنصات!

في أعقاب الحوادث الأخيرة التي نالت من كرامة النساء، طفت على السطح منشورات ذكورية مسمومة، تحرّض على الأذى وتبث الكراهية؛ مما دفع كثيرًا من النساء إلى الاعتقاد بأن الرجال قاطبةً قد تلوّثوا بهذا الفكر! وهذا والله هو الظلم البيّن، والتعميم الجائر.

​الحقيقةُ الراسخة أنَّ معظم الرجال ليسوا كما يصورهم هذا المسخُ الإلكتروني؛ بل هم مشغولون بما هو أسمى. فالرجل الحقيقيُّ لا يملك رفاهية الوقت لينشر منشورًا يحتقر فيه امرأة، لأنه الأب الكادح الذي يسابقُ الفجر ليُعيل أسرته، والشاب المجتهد الغارق في دروسه ترفعًا عن الحماقات، وهو الطبيب الذي يداوي، والمهندس الذي يشيّد، والجد الذي يفيض دلالًا على أحفاده، والمجاهد المرابط في الميادين ثباتًا ويقينًا. هؤلاء جميعًا لا يملكون وقتًا لكتابة أسطرٍ تسيءُ لأنثى، وبسبب غيابهم عن ضوضاء المواقع، وانتشار صخب الحمقى، ظنَّت النساء أنَّ الرجولة قد انحسرت في ذلك القبح!

​ذاتُ الميزانِ ينطبق على المرأة؛ فالمرأة الحقيقيةُ لا تملك وقتًا لمناطحةِ الرجال في منشوراتٍ تكشفُ عوراتِ الفكر وهشاشةِ النفس. إنَّ الإنسان—ذكر أو أنثى— إذا لم يشغلهُ علمٌ أو عمل، اشتغلَ بما يُفسده.

أما المنصاتُ فهي لا تُظهرُ الحقيقةَ كاملة، بل تُضخّمُ من يصرخ، وتُهمل من يعمل في صمت. أولئك الذين يبنون، ويكدحون، ويعودون آخر النهار بقلوبٍ متعبة وأيدٍ خشنة، لا يملكون ترف الجدل ولا وقتًا للاحتقار، لأنهم مشغولون بما هو أثقلُ من الكلمات: بالأمانة والمسؤولية.

​أما أولئك الذين يملؤون الفضاءَ صخبًا، فكثيرٌ منهم يملك وقتًا أكثر مما يملك معنى؛ فيكتب لا لأنه أقوى، بل لأنَّ الفراغ في داخله يطلب صوتًا. ترى العين الضجيج فتظنه الغالب، وتغفل عن الهدوء فتظنه نادرًا، مع أنه الأصل والجوهر. ​

وعلى الجانب الآخر، تشتد اليوم شيطنة الرجال في كل محفل، ويتناسى البعضُ أنَّ النساء يمكنهنَّ أن يكنَّ بذاتِ القسوةِ وأشد. فلا تكادُ تقعُ جريمةٌ إلا وكان خلفها امرأة متورطة كشريك أو منفذ! ألم تكن جزيرة إبستين شاهدةً على وجود نساءٍ في عداد الجناة؟ وكم من جريمة اغتصابٍ أو قتل غطّتها امرأةٌ أو نفذتها؟ ألم تعمل النساءُ في سجونِ القهرِ على تعذيب المعتقلين، وسجنُ أبو غريب خيرُ شاهدٍ ودليل؟ ألم تسفك أيديهنَّ الدماء في أفغانستان والعراق وفلسطين؟ أم تراهنَّ بريئاتٍ من كل ظلمٍ وطغيان؟

​انظروا إلى القممِ الشامخة؛ كان القائد أبو إبراهيم في أتون العاصفة ولهيبِ المعركة، ومع ذلك لم يمنعه الانشغال من توبيخِ رجلٍ ظلمَ زوجته. ووقفَ مجاهدٌ في خضمِ القتال والتوتر ليبتسمَ لشابةٍ تخبرهُ أنه يومُ ميلادها. الرجالُ الصادقون لا يملكون وقتًا لاحتقارِ أحد؛ هم مشغولون بالبناء والكفاح ورعاية من تحت أيديهم. ​

سَلِمت سواعدُ الرجال؛ الذين يخرجون والعرقُ يسبقهم، والشمسُ فوق رؤوسهم، والهمُّ في صدورهم، لكنهم يمشون بثباتٍ طلبًا للسعي، كأنهم يعانقون الأرضَ ليقتاتَ منها أهلهم بكرامة. هم الأبطالُ الصامتون، يمشون في مناكبِ الأرض، يحملون أمانةَ البيتِ بوقار، ويواجهون قيظَ النهارِ بجباه لا تنحني إلا لله. فكلُ خطوةٍ يخطونها، وكلُ فلسٍ يجمعونه بعرقِ الجبين، هو سياجٌ يحفظُ كرامةَ العائلة، وزادٌ يباركُ اللهُ فيه وإن قلَّ.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة