الإلحاد (2)


منظومة الإلحاد

عندما نتحدث عن الإلحاد، أرى أنه من المشروع تمامًا أن نسأل:
ما الذي يفعله الإلحاد اليوم فعليًا؟ لا ماذا يقول عن نفسه.

الإلحاد يقدّم نفسه بوصفه “غياب إيمان”،
لكن حين ننظر إلى الواقع الفكري، نراه يمارس ما تفعله الأديان تمامًا، مع اختلاف اللغة فقط.

الإلحاد يقول
“أنا أعرف: لا إله، لا غاية متجاوزة، الإنسان مركز الكون، والأخلاق تُبنى هكذا.”

وهذا بحد ذاته ادعاء معرفي شامل عن الإنسان والحياة والمعنى.
أي: رؤية كونية.
وأي رؤية كونية تُفسِّر الوجود، وتُحدِّد الخير والشر، وتُعرّف الإنسان هي —من حيث الجوهر— دين فلسفي، حتى لو لم تعترف

ما الفرق بين الإلحاد والبوذية؟ لماذا البوذية دين، والإلحاد لا؟

إلحاد

البوذية:
بدأت بتعاليم إنسان: بوذا
قدّمت تصورًا عن المعاناة، والخلاص، والسلوك القويم ثم تحولت إلى منظومة أخلاقية–روحية كاملة.

الإلحاد الحديث:
يبدأ بتعاليم فلاسفة: كانط، نيتشه، راسل، هاريس. يقدّم تصورًا عن الإنسان، والمعنى، والأخلاق
ينكر الإله، ثم يبني منظومة قيم ويطالب الجميع بالالتزام بها، الاختلاف ليس في البنية، بل في الاسم.

الإلحاد ينتقد الأديان لأنها:
“تزعم أنها تفهم الإنسان”
“تزعم أنها تعرف الخير والشر”
“تزعم امتلاك الحقيقة”
ثم يفعل الشيء ذاته، ولكن بلا اعتراف.
حين يقول الملحد:
“الإنسان هو القيمة العليا”

فهو لم يصف واقعًا علميًا، بل أصدر حكمًا أخلاقيًا ميتافيزيقيًا.
وحين يقول:
“افعل الخير لأنه الخير” فهو يفترض وجود “خير” موضوعي، ويجيب أنه جاء لأن المفكر الفلاني قال كذا، وهكذا

الإلحاد يقول:
“الدين خطر لأنه يجعل البشر يتبعون نصوصًا وبشرًا”

ثم نجد:
نصوص كانط تُدرَّس كمرجع أخلاقي!

أي: عقيدة، قيم مطلقة، محرّمات، قديسون فكريون لكن بلا اعتراف بأنها عقيدة.

ولا ننسَ، أنه تحت مظلة الإلحاد ارتكبت مجازر، فلماذا لم يشوه هذا صورة الإلحاد في نظر الناس، بينما كُسرت صورة الدين؟

لماذا يُفصل بين الإلحاد كفكرة، والملحد كإنسان…
لكن لا يُفصل بين الدين كفكرة، والمتدين كإنسان.

لماذا يُمنح الإلحاد هذا “العفو البنيوي” بينما لا يُمنح الدين؟

لأن الإلحاد يُقدَّم –في الوعي الغربي– على أنه:
غياب إطار، تحرّر من النص، اختيار فردي فكل جريمة تُفسَّر كـ انحراف فردي.

أما الدين، فيُقدَّم على أنه:
منظومة، نصوص، أوامر ونواهٍ، فكل جريمة تُفسَّر كـ نتاج طبيعي للفكرة.

وهنا يقع الخلل.
لأن الواقع يقول: الإلحاد ليس فراغًا، بل رؤية للعالم. وله سردياته، ومقدساته، وشعاراته: التنوير، التقدم، العقل، الإنسان الجديد.

إلحاد

وحين قُتِل الملايين:
باسم “الإنسان الجديد” في الاتحاد السوفيتي
باسم “تحرير البشر” في الاستعمار
باسم “العقل” و“التقدم” في الهندسة الاجتماعية
لم يُقَل:
هذه نتائج الإلحاد.
بل قيل:
أخطاء تاريخية… سوء تطبيق… ظروف سياسية.
وهو نفس الدفاع الذي يُرفض حين يقدّمه المؤمن.
إذًا المسألة ليست أخلاقية فقط، بل سردية ثقافية.

لماذا يُرى الدين من خلال أسوأ ممثليه، ويُرى الإلحاد من خلال أفضل ممثليه. هذا قياس غير عادل.

لأن أي فكرة في العالم: إن قِيسَت بأسوأ أتباعها سقطت، وإن قِيسَت بأفضل أتباعها بدت جميلة.

الدين –في جوهره– يقول:
من قتل باسم الله بريء فهو آثم، بل عقابه أشد.

أما الإلحاد، فلا يستطيع أن يقول:
من قتل باسم “التنوير” مخطئ.

لأن “التنوير” لا يملك محكمة أخلاقية أعلى منه.
وهنا المفارقة التي لا تُقال صراحة: الدين يُحاسَب على خيانته لقيمه، أما الإلحاد فلا يُحاسَب لأنه لا يعترف بقيم متجاوزة أصلًا. ولهذا لا تتشوه صورته، ليس لأنه أنقى، بل لأنه أفلت من المحاسبة الفلسفية.

للمزيد:
الحرب الدينية
الفلسفة العدمية والإلحاد

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة