انتكاس الفطرة
عندما أتأمَّل في قصة نبيّ الله لوط عليه السلام، فليس فداحة خطيئة قومه وحدها ما يصدمني، بل غفلتهم، ووقاحتهم، وتعاليهم على الحق. ليست قصة لوط عن شهوةٍ فقط، بل عن انقلاب الفطرة، ثم تسميته “حرية”.
قومه لم يخطئوا سرًّا، بل جاهروا، ثم طالبوا النبيّ أن يصمت. قصص الأنبياء ليست تاريخًا، إنها تشريحٌ دقيق للنفس البشرية حين تنفصل عن ربِّها. من يقرؤها كحكايةٍ فاتَه المقصود، ومن يقرؤها كرسالةٍ تغيَّر.

قال الله تعالى في كتابه الحكيم:
{ أَفَلَم يَسيروا فِي الأَرضِ فَتَكونَ لَهُم قُلوبٌ يَعقِلونَ بِها أَو آذانٌ يَسمَعونَ بِها فَإِنَّها لا تَعمَى الأَبصارُ وَلكِن تَعمَى القُلوبُ الَّتي فِي الصُّدورِ }[ الحج: ٤٦ ]
ليس العمى في العين، بل في موضع الإدراك نفسه. القلب حين يُعطَّل، يصير السمع ضجيجًا، والبصر صورًا بلا معنى. ولهذا كانت قصة لوط عليه السلام من أكثر القصص رجَّةً للنفس؛ لأنها لا تحكي عن جهل،
بل عن سكرٍ أخلاقي، سكرٍ يجعل الإنسان يرى الملائكة ولا يعرفهم،
ويرى النذير ولا يفهمه.
وجود الملائكة في بيت لوط ليس تفصيلةً سردية، بل إعلانٌ مرعب: أن المسافة بين الأمان والهلاك قد لا تتجاوز جدارًا واحدًا. خطوة، نَفَسًا، ولحظة.
اللحظة التي سبقت العذاب لم تزأر فيها السماء، ولم تضجَّ، الليل ما زال ليلًا، البيوت عامرة، الضحكات تتعالى، والسماء صامتة.
أحبس أنفاسي عند قوله تعالى:
{ إِنَّ مَوعِدَهُمُ الصُّبحُ أَلَيسَ الصُّبحُ بِقَريبٍ }[ هود: ٨١ ]
الصبح -رمز الخلاص- كان وقت العذاب والهلاك. فارتفعت بهم الأرض، ثم قُلبت، وكأن انقلاب المكان ترجمةً لانقلاب الفطرة. حين يُرفع المنكر ليصير فخرًا، ويُسفَّه الحق ليصير عارًا، يأتي الكون نفسه ليُعيد الترتيب بالقوَّة. كانوا يقهقهون ببجاحة، وهم يقولون لنبيّ الله لوط: { أَوَلَم نَنهَكَ عَنِ العالَمينَ }[ الحجر: ٧٠ ]
وقالوا: { لَقَد عَلِمتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعلَمُ ما نُريدُ }[ هود: ٧٩ ]
وأكثر ما يُخيف أن يكون العذاب قريبًا إلى هذا الحد، ويكون الإنسان بعيدًا إلى هذا الحد. واليوم لا يغيِّرون الفعل، بل يبدِّلون اللافتة. كأن الخطيئة كانت في الاسم، لا في الجوهر. يعيدون طلاء المعصية بمصطلحات ناعمة، ويقولون: حرية، تنوُّع، هوية.
وهنا يتكرَّر مشهد قوم لوط بحذافيره، لا في الفاحشة وحدها، بل في المنطق: أن يُتَّهَم الطهر، ويُنفى المستقيم، ويُعامَل صاحب الفطرة كأنه شذوذٌ اجتماعي.
أما موقف لوط عليه السلام يزلزل النفس ويؤلمها، لا لأنه ضعف -حاشاه- بل لأنه تحت ثقل الفجور الجماعي انكسر قلبه.
حين قال:
{ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخزونِ في ضَيفي أَلَيسَ مِنكُم رَجُلٌ رَشيدٌ }[ هود: ٧٨ ]
{ قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيفي فَلا تَفضَحونِ }[ الحجر: ٦٨ ]
{ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخزونِ }[ الحجر: ٦٩ ]
لم يكن يدافع عن ضيوفٍ فحسب، بل عن آخر ما تبقَّى من حرمة في مجتمعٍ اقتُلع الحياء من جذوره. أن يصل نبيٌّ إلى حدّ الاستعطاف، فيقول لهم:
على الأقل لا تفضحوني.










