إسترجال المرأة

إسترجال المرأة… في زحام هذا العالم، وبين ضجيج الشعارات، يبرز سؤالٌ موجع: هل سعيُ المرأة لمجاراة الرجل ظلمٌ وقعت فيه على نفسها، قبل أن يفرضه عليها أحد؟

فلا هي التي نالت حرية الرجل كاملة، ولا قوته الجسدية، ولا سنده الاجتماعي، ولا هي التي بقيت في موقعها الطبيعي، حيث الرعاية، والحماية، وتقدير اختلافها الفطري- خصوصًا المرأة الشرقية-

في الخطاب الحديث، قيل للمرأة:
“كوني مستقلة، لا تحتاجين أحدًا، أنتِ قادرة على كل شيء.”

كلماتٌ براقة، لكنها تُخفي شرطًا قاسيًا:
أن تتحمّلي كل شيء وحدكِ، وهنا تبدأ المأساة الصامتة

تعيش المرأة الشرقية اليوم في منطقةٍ رمادية، لا هي بلغت “جنة الغرب” المادية -بكل ما فيها من قسوة-
ولا بقيت في “دفء الشرق”- بكل ما فيه من سكينة.

في الغرب، استقلت المرأة ماديًا، نعم. لكنها وقعت في عبوديةٍ من نوعٍ آخر. تحررت من سلطة الأب والزوج، لتخضع لسطوة العمل، وقوانين السوق، وضغط الإنتاج.

أصبحت كيانًا مستقلاً، لكن استقلالًا موحشًا. الرجل هناك تنصّل من كثير من أدواره الفطرية، فصارت المرأة تخوض الحياة وحدها:
تحمل طفلها بيمينها، ومعول العمل بيسارها، ولا أحد يسأل إن سقطت تعبًا. بل أُقنعت -بدهاءٍ خفي- أن قيمتها تُقاس بما في حسابها البنكي، وبما يراه الناس من جسدها. فدخلت سباقًا لا نهاية له، وفقدت، في زحامه، شيئًا من براءة أنوثتها.

فصارت:
قوية؛ لكنها مُتعبة
حرة؛ لكنها وحيدة

أما الشرق، فقصته أعجب. أخذ الأعباء، وترك الامتيازات. من الغرب: أخذ “ضريبة العمل” ومن ماضيه: أبقى “قيود التبعية” فصارت المرأة تعمل كالرجل، لكنها في بيتها تُعامل كتابع. يُطلب منها أن تكون:
موظفة ناجحة، وأمًا مثالية، وطاهية ماهرة، وزوجة متزينة، ثم بعد كل ذلك قد يُمنّ عليها بالخروج، أو يُسلب حقها في مالها، أو تُحاصر بنظراتٍ تشكك في استقلالها.
فماذا نالت؟
مسؤولية كاملة بلا سلطة
وتبعية كاملة بلا رعاية

ولا يعني هذا أن المرأة الغربية لا تعاني، بل تعاني، ولكن بشكلٍ آخر:
تعاني من ندّيةٍ متوحشة، حيث لا أحد مُلزمٌ بحمايتك، ولا أحد يشعر أنه مسؤولٌ عنك. حرية… نعم، لكنها حرية الغابة.

أما المرأة في الشرق فهي عالقة بين:
شرعٍ أنصفها ولم يُطبّق، وعاداتٍ ظلمتها ولم ترحمها.

لكن قبل كل هذا دعوني أسأل سؤالًا صريحًا:

لماذا قررت المرأة أصلًا أن تقلد الرجل؟ لماذا اعتُبر الرجل النموذج الأعلى؟ لماذا لكي لا تكون “تقليدية” يجب أن تصبح شيئًا آخر؟ لماذا لا يحاول الرجل إثبات ذاته عبر تقليد المرأة؟
لماذا لا يرى في الرقة قيمة يُسعى إليها؟ بينما المرأة -في كثير من الخطابات- لا ترى نفسها مكتملة إلا إذا اقتربت من نموذج الرجل؟

أنا لا أتحدث عن العمل، أو التعليم، أو المشاركة في الحياة، بل عن المعيار النفسي العميق:

لماذا تُعدّ “الرقة” شتيمة؟
بينما “الخشونة” مديح؟

أليست الحرية الحقيقية أن تكوني أنتِ، بأقصى تجليات أنوثتك؟

لقد أقنعت بعض الخطابات المادية المرأة بأن:
“الاختلاف = دونية”

فهربت من “الدونية” المتوهمة، لتقع في كارثةٍ حقيقية:
أن تقتل أنوثتها لتصنع رجلًا في جسد امرأة.

وهنا المأساة، امرأة تحاول أن تكون “رجلًا ثانيًا”
فلا هي أصبحت رجلًا، ولا بقيت امرأة. كمن قلد مشية الغراب فلا صار غرابًا، ولا عاد كما كان.

لكن لنكن منصفين، هناك فخٌّ آخر لا يقل خطرًا، فكما حاول طرفٌ أن يمسخ المرأة إلى نسخةٍ من الرجل، حاول طرفٌ آخر أن يحبسها في قالب “الدُّمية الخرقاء”.

امرأة بلا عقل، عاطفة بلا وعي، جمال بلا عمق، تابعة تدور حول “البطل”. وهذا ليس أنوثة. بل إهانة للأنوثة.

الأنوثة لا تعني:
ضعف القرار، قلة الفهم والتبعية العمياء.
بل تعني:
رقة واعية، عاطفة مبصرة، قوة لا تحتاج صراخًا

الخلط بين الرقة والحماقة خدعة خطيرة. كأنهم يقولون للمرأة:
إما أن تكوني قوية مسترجلة أو أن تكوني أنثى غبية.

والحقيقة؟
أن الأنوثة شيء ثالث تمامًا.

الأنوثة ذكاء، قدرة على فهم ما بين السطور. الأنوثة قوة لكنها قوة هادئة، لا تحتاج ضجيجًا.

انظروا إلى النماذج الحقيقية:

خديجة رضي الله عنها: لم تكن مجرد امرأة غنية، بل كانت عقلًا يدير القوافل، ورؤيةً تقرأ الرجال؛ تاجِرةً صلبة في أسواق مكة، وصاحبة قرارٍ سيادي في اختيار شريك حياتها. ومع ذلك، حين ارتجف قلب النبي ﷺ من هول الوحي، لم تجابهه بمنطق الأرقام، بل احتضنته بفيضِ السكينة؛ فكانت القلعة التي احتمى بها، والبيت الذي لم يُسمع فيه صخب، بل طمأنينة ويقين.

بلقيس: ملكةٌ لم يسلبها التاج أنوثة الفكر، قادت قوماً أولي قوةٍ وبأسٍ شديد، لكنها كانت تملك ما هو أقوى من السيف: البصيرة. لم تأخذها عزة الملك بالإثم حين رأت نورا الحق، فكانت في قمة سلطتها رقيقةً أمام الحقيقة، وحكيمةً في خضوعها لخالقها، لتثبت أن القيادة ليست صراخاً، بل هي حُسن تدبير وعلوّ همة.

آسية: التي وقفت في قلب قصر الطغيان، شامخةً كالطود العظيم، لم يفتّ في عضدها بطش فرعون، بل واجهت جبروته بقلبٍ يفيضُ رقةً وإيماناً، طلبت بيتاً في الجنة وهي تحت وطأة العذاب، فكانت أنثى هزمت بصبرها أعتى إمبراطوريات الأرض، معلنةً أن قوة الروح أشدّ فتكاً من قيود الحديد.

مريم: التي اجتمع فيها المستحيل؛ طهرٌ سماوي، وقوةٌ واجهت بها وحشة الوحدة ونظرات القوم، وصبرٌ تفتتت دونه الجبال. كانت آيةً في الصمود وهي تهز جذع النخلة بضعفها الجسدي وقوتها الروحية، لتُعلم العالم أن العفة ليست انزواءً، بل هي وقوفٌ في وجه الريح بكرامةٍ لا تنكسر.

سمية ثبتت حتى الشهادة.

سمية: أولى قطرات الدم التي روت شجرة هذا الدين، لم تكن تملك جيشاً، بل ملكت كلمة “الله” التي زلزلت عروش الطغاة. ثبتت حتى الشهادة، لتخطّ بدمائها أن الأنوثة حين تتشح بالحق، تصبح أسطورةً تتضاءل أمامها هامات الرجال المنهزمين.

نسيبة بنت كعب: التي لم تكتفِ بالدعاء خلف الجدران، بل ذادت بحدّ السيف عن أطهر الخلق ﷺ، كانت في رقتها أماً ومربية، وفي ساح الوغى لبؤةً لا تعرف الخوف، لم تكن تحاول أن تكون رجلاً، بل كانت امرأةً تدرك أن الذود عن الحق فرضٌ لا يعترف بجنس، فقاتلت بقلب أنثى وجرأة مقاتلة.

رفيدة الأسلمية: رائدة المداواة التي جمعت بين رقة الأنامل ودقة العلم. كانت خيمتها ملاذاً للجراح، تمسح بلمستها الرفيقة أوجاع المحاربين، وتدير بحكمتها أول مستشفى ميداني في الإسلام، هي النموذج الأسمى للمشاركة الفاعلة التي لا تخدش الحياء، بل ترفعه مكاناً علياً.

هل فقدن أنوثتهن؟ أم جسّدنها في أسمى صورها؟

المرأة ليست “لوحة عرض” ولا “زينة هامشية” بل هي محراب الحياة. والمصيبة أن صورة “الأنثى الساذجة” دفعت كثيرًا من الفتيات للهروب من الأنوثة نفسها فاخترن الاسترجال ظنًا أنه الطريق الوحيد للقوة. لكن الحقيقة أعمق نحن بحاجة إلى نموذجٍ مختلف: امرأة مثقفة رقيقة تفهم، تفكر، تناقش، تبني، ثم إذا حضرت كانت سَكِينة.

البطولة الحقيقية ليست في أن تكوني نسخة من أحد، بل أن تكوني نفسك، في أبهى توازن…قوية بما يكفي لامتلاك العالم، ورقيقة بما يكفي لاحتواء القلوب.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة