ليس في الدنيا قلبٌ يحمل همًّا كقلب الأم.
تفرح لضحكة طفلها، وتتألم لمرضه، وتسهر لراحته، ثم يأتيها بين الحين والآخر سؤالٌ خفيٌّ لا يسمعه أحد:
- هل أؤدي الأمانة كما يحب الله؟
ليس هذا السؤال بابًا لتأنيب النفس، وإنما بابٌ لمحاسبتها؛ فإن القلوب المؤمنة لا تخشى المراجعة، لأنها تعلم أن كل مراجعة صادقة خطوةٌ نحو الكمال.
قد تظن الأم أن صلاحها يقاس بكثرة ما تبذله من جهد، أو بما توفره من أسباب الراحة، بينما الميزان عند الله أعمق من ذلك كله.
فالأم الصالحة ليست امرأةً لا تخطئ، ولا أمًّا لا تقصر، فالكمال ليس لأحد بعد الأنبياء. لكنها امرأة إذا قصَّرت استغفرت، وإذا أخطأت أصلحت، وإذا تعبت استعانت بالله، ولم تيأس من رحمته.
وقد يكون أعظم ما تهديه الأم لأبنائها قلبًا يعرف الله قبل أن تهديهم بيتًا جميلًا، أو لباسًا حسنًا، أو مستقبلًا مريحًا. فما قيمة الدنيا كلها إذا كبر الأبناء بعيدين عن ربهم؟ وما أعظم النعمة إذا خرج من البيت عبدٌ صالح يحب الله ورسوله، وإن كانت الدنيا قليلة في يديه.
تأملي بهدوء…
- هل يسمع أبنائي من ذكري لله ما يسمعون من حديثي مع الناس؟
- هل يرونني إذا نزلت بي الشدائد ألجأ إلى ربي قبل أن أشكو إلى الخلق؟
- هل يتعلمون مني الصبر، والحياء، والصدق، وحسن التوكل، قبل أن يسمعوها كلماتٍ في موعظة؟
إن الطفل لا يتربى بما يسمع فقط، بل بما يراه كل يوم.
ولهذا كانت القدوة أبلغ من آلاف الوصايا.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].
فبدأ بالنفس قبل الأهل؛ لأن أعظم وسائل التربية أن يصلح المربي نفسه، فيفيض أثر صلاحه على من حوله.
ورب كلمةٍ خرجت من أم صادقة غيَّرت عمرًا كاملًا، ورب دعوةٍ في جوف الليل فتحت لولدها أبواب الهداية، ورب دمعةٍ بين يدي الله كانت سببًا في صلاح ذريةٍ لم تولد بعد.
فلا تحتقري دعاءك، ولا استغفارك، ولا سجدةً أطلتِ فيها السؤال لأبنائك.
إن الأم الصالحة ليست التي تحمل أبناءها على كتفيها سنواتٍ معدودة، وإنما التي تحملهم بقلبها إلى الله ما بقي فيها نفس.
وقفة مع النفس
إذا أردتِ أن تعرفي منزلة أمومتك عند الله، فلا تسألي: كم تعبًا بذلت؟ بل اسألي: كم قربتُ أبنائي من ربهم؟
فإن كانت الإجابة: إني أجاهد، وأتعلم، وأصلح ما استطعت، وأستعين بالله كلما ضعفت… فأبشري، فما دام القلب صادقًا في طلب الهداية، فإن الله لا يضيع سعي من أحسن قصدًا، وجعل أمومته طريقًا إلى رضوانه.









